فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

المسألة الثانية : أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام ، ونظيره قوله في النحل : * ( أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ) * ( النحل : 10 ) وقال في سورة أخرى : * ( أنا صببنا الماء صباً * ثم شققنا الأرض شقاً ) * إلى قوله : * ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) * ( عبس : 32 , 25 ) فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله : * ( يرتع ويلعب ) * ( يوسف : 12 ) وقرئ نرتع من الرعي ، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) * ( الأنبياء : 30 ) فانظر كيف دل بقوله : * ( ماءها ومرعاها ) * على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر ، والحب والثمر والعصف والحطب ، واللباس والدواء حتى النار والملح ، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى : * ( أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ) * ( الواقعة : 72 , 71 ) وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء ، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به ، فأصله الماء والنبات ، ولهذا السبب تردد في وصف الجنة ذكرهما ، فقال : * ( جنات تجري من تحتها الأنهار ) * ( البقرة : 25 ) ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله في آخر هذه الآية : * ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) * ( النازعات : 33 ) . * ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلاَِنْعَامِكُمْ ) * . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( والجبال أرساها ) * والكلام في شرح منافع الجبال قد تقدم . ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض وكمية منافعها قال : * ( متاعاً لكم ولأنعامكم ) * والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم ، واحتج به من قال : إن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح ، والكلام فيه قد مر غير مرة ، واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادراً على الحشر والنشر ، فلما قرر ذلك وبين إمكان الحشر عقلاً أخبر بعد ذلك عن وقوعه . * ( فَإِذَا جَآءَتِ الطَّآمَّةُ الْكُبْرَى ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وفي اشتقاقها وجوه ، قال المبرد : أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميماً ، إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله ، وقال الليث : الطم طم البئر بالتراب ، وهو الكبس ، ويقال : طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها ، ويقال للشيء الذي يكبر حتى يعلو قد طم ، والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها ومن ثم قيل : فوق كل طامة طامة ، قال القفال : أصل الطم الدفن والعلو ، وكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه ، ومنه الماء الطامي وهو الكثير الزائد ، والطاغي والعاتي والعادي سواء وهو الخارج عن أمر الله تعالى المتكبر ، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلها في جنبها .