فخر الدين الرازي
34
تفسير الرازي
الأرض والجبال ) * ( المزمل : 14 ) . الثاني : الهدة المنكرة والصوت الهائل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً ، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب ، ومنه قوله تعالى : * ( فأخذتهم الرجفة ) * ( الأعراف : 91 ) فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد ، وأما الرادفة فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال ردفه ، أي جاء بعده ، وأما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة ، يقال : وجف قلبه يجف وجافاً إذا اضطرب ، ومنه إيجاف الدابة ، وحملها على السير الشديد ، وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة ومعناها واحد ، قالوا : خائفة وجلة زائدة عن أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة ، أبصار أهلها خاشعة ، وهو كقوله : * ( خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ) * ( الشورى : 45 ) إذا عرفت هذا فنقول ، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة ، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح قول أبي مسلم . أما القول الأول : وهو المشهور بين الجمهور ، أن هذه الأحوال أحوال يوم القيامة فهؤلاء ذكروا وجوهاً أحدها : أن الراجفة هي النفخة الأولى ، وسميت به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها ، وإما لأن صوت تلك النفخة هي الراجفة ، كما بينا القول فيه ، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى في سورة الزمر ، ثم يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين عاماً ، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء عليها كالنطف ، وأن ذلك كالسبب للأحياء ، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة ، ولله أن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وثانيها : الراجفة هي النفخة الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله : * ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) * ( النمل : 72 ) أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها فهي رادفة لهم لاقترابها وثالثها : الراجفة الأرض والجبال من قوله : * ( يوم ترجف الأرض والجبال ) * والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك ورابعها : الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني : وهو قول أبي مسلم أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة ، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم ، والسابحات بعدو الفرس ، والسابقات بسبقها ، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو ، ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقت إحداهما الأخرى ، والقلوب الواجفة هي القلقة ، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين كقوله : * ( الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ) * ( محمد : 20 ) كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف ، وردفتها أختها اضطرب قلوب المنافقين خوفاً ، وخشعت أبصارهم جبناً وضعفاً ، ثم قالوا :