فخر الدين الرازي
35
تفسير الرازي
* ( أئنا لمردودون في الحافرة ) * ( النازعات : 10 ) أي نرجع إلى الدنيا حتى نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضاً : * ( تلك إذاً كرة خاسرة ) * ( النازعات : 12 ) فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في إنكار الحشر ، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله : * ( فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة ) * ( النازعات : 14 , 13 ) وهذا كلام أبي مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور . قوله تعالى : * ( قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة ) * اعلم أنه تعالى لم يقل : القلوب يومئذ واجفة ، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل المراد منه قلوب الكفار ، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون : * ( أئنا لمردودون في الحافرة ) * ( النازعات : 10 ) وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين ، وقوله : * ( أبصارها خاشعة ) * لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم ، وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : كيف جاز الابتداء بالنكرة ؟ الجواب : قلوب مرفوعة بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله : * ( لعبد مؤمن خير من مشرك ) * ( البقرة : 221 ) . السؤال الثاني : كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب ؟ الجواب : معناه أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون ، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري البعث أقوالاً ثلاثة : أولها : قوله تعالى : * ( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ) * يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفراً فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة ، كما قيل : * ( في عيشة راضية ) * ( الحاقة : 21 ) و * ( ماء دافق ) * ( الطارق : 6 ) أي منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم ، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته ، أي إلى طريقته وفي الحديث : " إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته " أي على أول تأسيسه وحالته الأولى وقرأ أبو حياة في الحفرة ، والحفرة بمعنى المحفورة يقال : حفرت أسنانه ، فحفرت حفراً ، وهي حفرة ، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفور ، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية : أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا . وثانيها : قوله تعالى : * ( أئذا كنا عظاماً نخرة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف ، وقرأ الباقون نخرة بغير ألف ، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل : إنه كان لا يبالي كيف قرأها ، وقيل : إنه كان يقرؤها بغير ألف ، ثم رجع إلى الألف ، واعلم أن أبا عبيدة اختار نخرة ، وقال : نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت ، فوجدناها كلها العظام النخرة ، ولم نسمع في شيء منها الناخرة ، وأما من سواه ، فقد اتفقوا