فخر الدين الرازي

27

تفسير الرازي

سورة النازعات وهي أربعون وست آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد ، ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوهاً أحدها : أنها بأسرها صفات الملائكة ، فقوله : * ( والنازعات غرقاً ) * هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة ، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال : أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل ، فتقدير الآية : والنازعات إغراقاً ، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد ، وقوله : * ( والناشطات نشطاً ) * النشط هو الجذب يقال : نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطاً نزعتها برفق ، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها ، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله : * ( والنازعات غرقاً ، والناشطات نشطاً ) * قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين ، أما قوله : * ( والسابحات سبحاً ) * فمنهم من خصصه أيضاً بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة ، أما الوجه الأول : فنقل عن علي عليه السلام ، وابن عباس ومسروق ، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رفيقاً ، فهذا هو المراد من قوله : * ( والناشطات نشطاً ) * ثم يتركونها حتى تستريح رويداً ، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق ، فكذا ههنا يرفقون في ذلك الاستخراج ، لئلا يصل إليه ألم وشدة