فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

فذاك هو المراد من قوله : * ( والسابحات سبحاً ) * وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا : إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة ، والعرب تقول للفرس الجواد ، إنه السابح ، وأما قوله : * ( فالسابقات سبقاً ) * فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة ، ثم ذكروا في هذا السبق وجوهاً أحدها : قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة ، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى : * ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) * ( الواقعة : 10 ) وثانيها : قال الفراء والزجاج : إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع وثالثها : ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال : * ( لا يسبقونه بالقول ) * ( الأنبياء : 27 ) يعني قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيماً لجلال الله تعالى وخوفاً من هيبته ، وههنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم أمر ، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته ، فهذا هو المراد من قوله : * ( فالسابقات سبقاً ) * ، وأما قوله : * ( فالمدبرات أمراً ) * فأجمعوا على أنهم هم الملائكة : قال مقاتل يعني جبريل وميكائيل ، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض ، وهم المقسمات أمراً ، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم ، وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم ، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار ، بقي على الآية سؤالان : السؤال الأول : لم قال : * ( فالمدبرات أمراً ) * ، ولم يقل : أموراً فإنهم يدبرون أموراً كثيرة لا أمراً واحداً ؟ والجواب : أن المراد به الجنس ، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع . السؤال الثاني : قال تعالى : إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم ههنا تدبير الأمر . والجواب : لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه له ، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون في هذا الباب ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن الملائكة لها صفات سلبية وصفات إضافية ، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة ، والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء والأخلاط والأركان ، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال ، فقوله : * ( والنازعات غرقاً ) * إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعاً كلياً من جميع الوجوه وعلى هذا التفسير : * ( النازعات ) * هي ذوات النزع كاللابن والتامر ، وأما قوله : * ( الناشطات نشطاً ) * إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف والمشقة كما في حق البشر ، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات ، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية ، وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما : شرح قوتهم العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله فوصفهم في هذا المقام بوصفين