فخر الدين الرازي

211

تفسير الرازي

الكلام غير لائق بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم إن صح ذلك يحمل على أنه كان مقصوده عليه الصلاة والسلام أن يجربها ليعرف قدر علمها ، أو ليعرف الناس قدر علمها ، واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي ، فقال ابن جريج : اثنا عشر يوماً ، وقال الكلبي : خمسة عشر يوماً ، وقال ابن عباس : خمسة وعشرون يوماً ، وقال السدي ومقاتل : أربعون يوماً ، واختلفوا في سبب احتباس جبريل عليه السلام ، فذكر أكثر المفسرين أن اليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف ، فقال : " سأخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله " فاحتبس عنه الوحي ، وقال ابن زيد : السبب فيه كون جرو في بيته للحسن والحسين ، فلما نزل جبريل عليه السلام ، عاتبه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقال : " أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة " وقال جندب بن سفيان : رمى النبي عليه الصلاة بحجر في إصبعه ، فقال : هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت فأبطأ عنه الوحي ، وروي أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وههنا سؤالان . السؤال الأول : الروايات التي ذكرتم تدل على أن احتباس الوحي كان عن قلى : * ( قلنا ) * أقصى ما في الباب أن ذلك كان تركاً للأفضل والأولى ، وصاحبه لا يكون ممقوتاً ولا مبغضاً ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل : " ما جئتني حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل : كنت إليك أشوق ولكني عبداً مأموراً " وتلا : * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * ( مريم : 64 ) . السؤال الثاني : كيف يحسن من السلطان أن يقول لأعظم الخلق قربة عنده : إني لا أبغضك تشريفاً له ؟ الجواب : أن ذلك لا يحسن ابتداء ، لكن الأعداء إذا ألقوا في الألسنة أن السلطان يبغضه ، ثم تأسف ذلك المقرب فلا لفظ أقرب إلى تشريفه من أن يقول له : إني لا أبغضك ولا أدعك ، وسوف ترى منزلتك عندي . المسألة الثالثة : هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله ، إذ لو كان من عنده لما امتنع . * ( وَلَلاَْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُْولَى ) * . واعلم أن في اتصاله بما تقدم وجوهاً أحدها : أن يكون المعنى أن انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لأنه عزل عن النبوة ، بل أقصى ما في الباب ، أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة ، وذلك أمارة الموت فكأنه يقال : انقطاع الوحي متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك . فإن مالك عند الله في الآخرة خير وأفضل مما لك في الدنيا وثانيها : لما نزل : * ( ما ودعك ربك ) * ( الضحى : 3 ) حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكأنه استعظم هذا التشريف فقيل له : * ( وللآخرة خير لك من الأولى ) * أي هذا التشريف وإن كان عظيماً إلا أن مالك عند الله في الآخرة خير وأعظم وثالثها : ما يخطر