فخر الدين الرازي

212

تفسير الرازي

ببالي ، وهو أن يكون المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزاً إلى عز ، ومنصباً إلى منصب ، فيقول : لا تظن أني قليتك بل تكون كل يوم يأتي فإني أزيدك منصباً وجلالاً ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : بأي طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيراً من الأولى ؟ الجواب : لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول له إنك في الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ما تريد ، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد وثانيها : الآخرة خير لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له كالأولاد قال تعالى : * ( وأزواجه أمهاتهم ) * ( الأحزاب : 6 ) وهو أب لهم ، وأمته في الجنة فيكون كأن أولاده في الجنة ، ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم : * ( هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) * ( الفرقان : 74 ) وثالثها : الآخرة خير لك لأنك اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من الدنيا لكانت الآخرة خيراً لك ، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون مملوكاً لك ، فكيف ولا نسبة للآخرة إلى الدنيا في الفضل ورابعها : الآخرة خير لك من الأولى لأن في الدنيا الكفار يطعنون فيك أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم ، وأجعلك شهيداً على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتي شهيداً لك كما قال : * ( وكفى بالله شهيداً * محمد رسول الله ) * ( الفتح : 29 , 28 ) وخامسها : أن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة ، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة . السؤال الثاني : لم قال : * ( وللآخرة خير لك ) * ولم يقل خير لكم ؟ الجواب : لأنه كان في جماعته من كانت الآخرة شراً له ، فلو أنه سبحانه عمم لكان كذباً ، ولو خصص المطيعين بالذكر لافتضح المذنبون والمنافقون . ولهذا السبب قال موسى عليه السلام : * ( كلا إن معي ربي سيهدين ) * ( الشعراء : 62 ) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فالذي كان معه لما كان من أهل السعادة قطعاً ، لا جرم قال : * ( إن الله معنا ) * ( التوبة : 40 ) إذ لم يكن ثم إلا نبي وصديق ، وروي أن موسى عليه السلام خرج للاستسقاء ، ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا الإجابة ، فسأل موسى عليه السلام عن السبب الموجب لعدم الإجابة . فقال : لا أجيبكم ما دام معكم ساع بالنميمة ، فسأل موسى من هو ؟ فقال : ( إني ) أبغضه فكيف أعمل عمله ، فما مضت مدة قليلة حتى نزل الوحي بأن ذلك النمام قد مات ، وهذه جنازته في مصلى ، كذا فذهب موسى عليه السلام إلى تلك المصلى ، فإذا فيها سبعون من الجنائز ، فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه . ثم تأمل فإن فيه دقيقة لطيفة ، وهي أنه عليه السلام قال : " لولا شيوخ ركع " وفيه إشارة إلى زيادة فضيلة هذه الأمة ، فإنه تعالى كان يرد الألوف لمذنب واحد ، وههنا يرحم المذنبين لمطيع واحد . * ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) * . واعلم اتصاله بما تقدم من وجهين الأول : هو أنه تعالى لما بين أن الآخرة : خير له من الأولى ولكنه لم يبين أن ذلك التفاوت إلى أي حد