فخر الدين الرازي
206
تفسير الرازي
حملها على أبي بكر رضي الله عنه ، وثبت دلالة الآية أيضاً على أن أبا بكر أفضل الأمة ، وأما الرواية فهي أنه كان بلال ( عبداً ) لعبد الله بن جدعان ، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشركون فعله ، فوهبه لهم ، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم ، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول : أحد ، أحد ، فمر به رسول الله ، وقال : ينجيك أحد ، أحد . ثم أخبر رسول الله أبا بكر أن بلالاً يعذب في الله : فحمل أبو بكر رطلاً من ذهب فابتاعه به ، فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده ، فنزل : * ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) * * ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) * ( الليل : 20 ) وقال ابن الزبير وهو على المنبر : كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري أريد . فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " في محل : * ( يتزكى ) * وجهان : إن جعلت بدلاً من يؤتي فلا محل له ، لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلات لا محل لها . وإن جعلته حالاً من الضمير في * ( يؤتي ) * فمحله النصب . * ( إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَْعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : * ( ابتغاء وجه ربه ) * مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي * ( ما لأحد عنده ) * ( الليل : 19 ) نعمة * ( إلا ابتغاء وجه ربه ) * كقولك ما في الدار أحداً إلا حماراً ، وذكر الفراء فيه وجهاً آخر وهو أن يضمر الإنفاق على تقدير : ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، كقوله : * ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) * ( البقرة : 272 ) . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين أن هذا : * ( الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى ) * ( الليل : 18 , 17 ) لا يؤتيه مكافأة على هدية أو نعمة سالفة ، لأن ذلك يجري مجرى أداء الدين ، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب بل إنما يستحق الثواب إذا فعله ، لأجل أن الله أمره به وحثه عليه . المسألة الثالثة : المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة * ( ربه الأعلى ) * وإن ذلك يقضي وجود رب آخر ، وقد تقدم الكلام على كل ذلك . المسألة الرابعة : ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإمامة ، فقال : الآية الواردة في حق علي عليه السلام : * ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً * إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ) * ( الإنسان : 10 , 9 ) والآية الواردة في حق أبي بكر : * ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ) * فدلت الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل لوجه الله إلا أن آية علي تدل على أنه فعل ما فعل لوجه الله ، وللخوف من يوم القيامة على ما قال : * ( إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ) * وأما آية أبي بكر فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبة في ثواب