فخر الدين الرازي
201
تفسير الرازي
وتعب فهو من العسرى ، وذلك وصف كل المعاصي . المسألة الثانية : التأنيث في لفظ اليسرى ، ولفظ العسرى فيه وجوه أحدها : أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال ، فوجه التأنيث ظاهر ، وإن كان المراد عملاً واحداً رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة ، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود ( ة ) إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث إلى العود ( ة ) ، وكأنه قال : فسنيسره للعود ( ة ) التي هي كذا وثانيها : أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال : للطريقة اليسرى والعسرى وثالثها : أن العبادات أمور شاقة على البدن ، فإذا علم المكلف أنها تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه ، بسبب توقعه للجنة ، فسمى الله تعالى الجنة يسرى ، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى وقوله : * ( فسنيسره لليسرى ) * بالضد من ذلك . المسألة الثالثة : في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه : وذلك لأن من فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة بسهولة وإكرام ، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ) * ( الرعد : 24 , 23 ) وقوله : * ( طبتم فادخلوها خالدين ) * ( الزمر : 73 ) وقوله : * ( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) * ( الرعد : 24 ) وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين والمنافقين من الكسل ، قال الله تعالى : * ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) * ( البقرة : 45 ) وقال : * ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) * ( النسار : 142 ) وقال : * ( ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) * ( التوبة : 38 ) فكان التيسير هو التنشيط . المسألة الرابعة : استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان ، فقالوا : إن قوله تعالى : * ( فسنيسره لليسرى ) * يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق ، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية ، وقوله : * ( فسنيسره للعسرى ) * يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان ، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة ، وإذا دلت الآية على حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك ، ومعلوم أن حال الاستواء يمتنع الرجحان ، فحال المرجوحية أولى بالامتناع ، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض . أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه أحدها : أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور ، قال تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) وقال : * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( الانشقاق : 24 ) فلما سمى الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيراً لليسرى ، سمى ترك هذه الألطاف تيسيراً للعسرى وثانيها : أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له دون الفاعل . كما قيل في الأصنام : * ( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس ) * ( إبراهيم : 36 ) وثالثها : أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه والجواب : عن الكل أنه عدول عن الظاهر ، وذلك غير جائز ، لا سيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع ، ثم