فخر الدين الرازي
202
تفسير الرازي
إن أصحابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار ، قلنا : أفلا نتكل ؟ قال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله ، كما قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا جواباً عن سؤالهم ، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله ، وهذا يدل على قولنا : أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير والله أعلم . المسألة الخامسة : في دخول السين في قوله : * ( فسنيسره ) * وجوه أحدها : أنه على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين ، كما في قوله : * ( اعبدوا ربكم ) * * ( لعلكم تتقون ) * ( البقرة : 21 ) وثانيها : أن يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصياً ، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعاً ، فهذا السبب كان التغيير فيه محالاً وثالثها : أن الثواب لما كان أكثره واقعاً في الآخرة ، وكان ذلك مما لم يأت وقته ، ولا يقف أحد على وقته إلا الله ، لا جرم دخله تراخ ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر ، والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ) * . فاعلم أن ما هنا يحتمل أن يكون استفهاماً بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفياً . وأما * ( تردى ) * ففيه وجهان الأول : أن يكون ذلك مأخوذاً من قولك : تردى من الجبل : قال الله تعالى : * ( والمتردية والنطيحة ) * ( المائدة : 3 ) فيكون المعنى : تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ، وتقدير الآية : إنا إذا يسرناه للعسرى ، وهي النار تردى في جهنم ، فماذا يغني عنه ماله الذي بخل به وتركه لوارثه ، ولم يصحبه منه إلى آخرته ، التي هي موضع فقره وحاجته شيء ، كما قال : * ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) * ( الأنعام : 94 ) وقال : * ( ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً ) * ( مريم : 80 ) أخبر أن الذي ينتفع الإنسان به هو ما يقدمه الإنسان من أعمال البر وإعطاء الأموال في حقوقها ، دون المال الذي يخلفه على ورثته الثاني : أن تردى تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت . أما قوله تعالى : * ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ) * . فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسئ من العسرى ، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال : * ( إن علينا للهدى ) * أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعاً مما يكون به عاصياً ، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فعلنا ما كان فعله واجباً علينا في الحكمة ، والمعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها :