فخر الدين الرازي

200

تفسير الرازي

حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ) * ( الإنسان : 8 ) وقال في آخر هذه السورة : * ( وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتى ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) * ( الليل : 20 , 17 ) ، وثانيهما : أن قوله : * ( أعطى ) * يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى ، يقال : فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله : * ( واتقى ) * فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي ، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقياً أن يكون محترزاً عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) وقوله : * ( وصدق بالحسنى ) * فالحسنى فيها وجوه أحدها : أنها قول لا إله إلا الله ، والمعنى : فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى ، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله : * ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) * إلى قوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 , 14 ) وثانيها : أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل : أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها : أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله : * ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ) * ( سبأ : 39 ) والمعنى : أعطى من ماله في طاعة الله مصدقاً بما وعده الله من الخلف الحسن ، وذلك أنه قال : * ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ) * ( البقرة : 261 ) فكان الخلف لما كان زائداً صح إطلاق لفظ الحسنى عليه ، وعلى هذا المعنى : * ( وكذب بالحسنى ) * أي لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود ، كما قال بعضهم : منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود ، وروي عن أبي الدرداء أنه قال : " ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين . اللهم أعط كل منفق خلفاً وكل ممسك تلفاً " ورابعها : أن الحسنى هو الثواب ، وقيل : إنه الجنة ، والمعنى واحد ، قال قتادة : صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود ، قال القفال : وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة ، قال الله تعالى : * ( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) * ( التوبة : 52 ) يعني النصر أو الشهادة ، وقال تعالى : * ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً ) * ( الشورى : 23 ) فسمى مضاعفة الأجر حسنى ، وقال : * ( إن لي عنده للحسنى ) * ( فصلت : 50 ) . وأما قوله : * ( فسنيسره لليسرى ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجوه أحدها : أنها الجنة وثانيها : أنها الخير وقالوا في العسرى : أنها الشرك وثالثها : المراد منه أن يسهل عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك ، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك عليه ورابعها : اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولاً ، فكأنه قال فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله ، وقالوا : في العسرى ضد ذلك أي نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية ، قال القفال : ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة ، وذلك لأن الأعمال بالعواقب ، فكل ما أدت عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة ، فإن ذلك من اليسرى ، وذلك وصف كل الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر