فخر الدين الرازي

2

تفسير الرازي

سورة النبأ أربعون آية مكية بسم الله الحمن الرحيم * ( عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : * ( عم ) * : أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان رحمه الله تعالى : على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل ، ذكروا في سبب الحذف وجوهاً أحدها : قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين وثانيها : قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسماً كقولهم : فيم وبم ولم وعلام وحتام وثالثها : قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبئ عن شدة الاتصال ورابعها : السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان . المسألة الثانية : قوله * ( عم يتساءلون ) * أنه سؤال ، وقوله * ( عن النبأ العظيم ) * جواب السائل والمجيب هو الله تعالى ، وذلك يدل على علمه بالغيب ، بل بجميع المعلومات . فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه ؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره * ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) * ( غافر : 16 ) . المسألة الثالثة : قرأ عكرمة وعيسى بن عمر ( عما ) وهو الأصل ، وعن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، وإما أن يقف ويبتدئ ب * ( يتساءلون عن النبأ العظيم ) * على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشئ مبهم ثم يفسره . المسألة الرابعة : ( ما ) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها ، تقول ما الملك ؟ وما الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولاً . ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولاً ، فحصل بين الشيء المطلوب بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز ، فبهذا الطريق جعل * ( ما ) * دليلاً على عظمة حال ذلك المطلوب وعلو رتبته