فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

ومنه قوله تعالى * ( وما أدراك ما سجين ) * ( المطففين : 8 ) ، * ( وما أدراك ما العقبة ) * ( البلد : 12 ) وتقول زيد وما زيد . المسألة الخامسة : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل ، وقد يستعمل أيضاً في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى : * ( وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) * ( الطور : 25 ) * ( قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين ) * ( الصافات : 52 , 51 ) فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون ، وهذا قول الفراء . المسألة السادسة : أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم ، فيه احتمالات : الاحتمال الأول : أنهم هم الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون ) * ( النبأ : 5 , 4 ) الضمير في يتساءلون ، وهم فيه مختلفون وسيعلمون ، راجع إلى شيء واحد وقوله : * ( كلا سيعلمون ) * تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير في قوله : * ( يتساءلون ) * عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله : * ( هم فيه مختلفون ) * مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكاً فيه كقوله : * ( وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) * ( فصلت : 50 ) ومنهم من أصر على الإنكار ، ويقول : * ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) * ( المؤمنون : 37 ) ومنهم من كان مقرّاً به ، لكنه كان منكراً لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل اختلافهم فيه ، وأيضاً هب أنهم كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره ، فمنهم من كان ينكره لأنه كان ينكر الصانع المختار ، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادراً على ما يكون ممكناً في نفسه ، وهذا هو المراد بقوله : * ( هم فيه مختلفون ) * . والاحتمال الثاني : أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون ، وكانوا جميعاً يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقيناً في دينه ، وأما الكافر فعلى سبيل السخرية ، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات . والاحتمال الثالث : أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة . أما قوله تعالى : * ( عن النبأ العظيم ) * ففيه مسائل . المسألة الأولى : ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه : أحدها : أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها : قوله : * ( سيعلمون ) * والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها : أنه تعالى بين كونه قادراً على جميع الممكنات بقوله : * ( ألم نجعل الأرض مهاداً ) * إلى قوله : * ( يوم ينفخ في الصور ) * ( طه : 102 ) وذلك يقتضي أنه تعالى إنما قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادراً