فخر الدين الرازي
199
تفسير الرازي
المسألة الثانية : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم * ( والذكر والأنثى ) * وقرأ ابن مسعود : ( والذي خلق الذكر والأنثى ) وعن الكسائي : * ( وما خلق الذكر والأنثى ) * بالجر ، ووجهه أن يكون معنى : * ( وما خلق ) * أي وما خلقه الله تعالى ، أي مخلوق الله ، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلاً منه ، أي ومخلوق الله الذكر والأنثى ، وجاز إظهار اسم الله لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو . المسألة الثالثة : القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات ، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو في نفسه لا بد وأن يكون إما ذكراً أو أنثى ، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه لم يلق في هذا اليوم لا ذكراً ولا أنثى ، وكان قد لقى خنثى فإنه يحنث في يمينه . * ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) * . هذا الجواب القسم ، فأقسم تعالى بهذه الأشياء ، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض ، وإنما قيل للمختلف : شتى ، لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه قيل : إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، وبعضه يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما ، ويقرب من هذه الآية قوله : * ( لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ) * ( الحشر : 20 ) وقوله : * ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ) * ( السجدة : 18 ) وقوله : * ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) * ( الجاثية : 21 ) وقال : * ( ولا الظل والحرور ) * ( فاطر : 21 ) قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان . * ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) * . ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب ، فقال : * ( فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ) * . وفي قوله أعطى وجهان : أحدهما : أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجباً أو نفلاً ، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله : * ( ومما رزقناهم ينفقون ) * ( الأنفال : 3 ) فإن المراد منه كل ذلك إنفاقاً في سبيل الله سواء كان واجباً أو نفلاً ، وقد مدح الله قوماً فقال : * ( ويطعمون الطعام على