فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

سورة الليل إحدى وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم ( والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . وما خلق الذكر والأنثى ) ( سورة الليل ) قال القفال رحمه الله : نزلت هذه السورة في أبي بكر وإنفاقه على المسلمين ، وفي أمية بن خلف وبخله وكفره بالله ، إلا أنها وإن كانت كذلك لكن معانيها عامة للناس ، ألا ترى أن الله تعالى قال : * ( إن سعيكم لشتى ) * ( الليل : 4 ) ، وقال : * ( فأنذرتكم ناراً تلظى ) * ( الليل : 14 ) ويروى عن علي عليه السلام أنه قال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فقال : ما منكم نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار ، فقلنا يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له " * ( فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى ) * ( الليل : 7 , 5 ) فبان بهذا الحديث عموم هذه السورة . * ( واَللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) * . اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ما قال سبحانه : * ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) * ( الفرقان : 62 ) ، * ( وسخر لكم الليل والنهار ) * ( إبراهيم : 33 ) أما قوله : * ( والليل إذا يغشى ) * فاعلم أنه تعالى لم يذكر مفعول يغشى ، فهو إما الشمس من قوله : * ( والليل إذا يغشاها ) * ( الشمس : 4 ) وإما النهار من قوم : * ( يغشي الليل والنهار ) * ( الرعد : 3 ) وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله : * ( إذ وقب ) * ) الفلق : 3 ) وقوله : * ( والنهار إذا تجلى ) * أي ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف بطلوع الشمس . * ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالاُْنثَى ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسيره وجوه أحدها : أي والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وقيل : هما آدم وحواء وثانيها : أي وخلقه الذكر والأنثى وثالثها : ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى ، أي والذي خلق الذكر والأنثى .