فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرامات . وأما على الوجه الثاني : وهو أن يفسر الكبد بالاستواء ، فقال ابن عباس : في كبد ، أي قائماً منتصباً ، والحيوانات الأخر تمشي منكسة ، فهذا امتنان عليه بهذه الخلقة . وأما على الوجه الثالث : وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة ، فقد قال الكلبي : نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد ، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي ، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول . المسألة الثانية : حرف في واللام متقاربان ، تقول : إنما أنت للعناء والنصب ، وإنما أنت في العناء والنصب ، وفيه وجه آخر وهو أن قوله : * ( في كبد ) * يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة . المسألة الثالثة : منهم من قال : المراد بالإنسان إنسان معين ، وهو الذي وصفناه بالقوة ، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل . * ( أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) * . اعلم أنا إن فسرنا الكبد بالشدة في القوة ، فالمعنى أيحسب ذلك الإنسان الشديد أنه لشدته لا يقدر عليه أحد ، وإن فسرنا المحنة والبلاء كان المعنى تسهيل ذلك على القلب ، كأنه يقول : وهب أن الإنسان كان في النعمة والقدرة ، أفيظن أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه أحد ؟ ثم اختلفوا فقال : بعضهم لن يقدر على بعثه ومجازاته فكأنه خطاب مع من أنكر البعث ، وقال آخرون : المراد لن يقدر على تغيير أحواله ظناً منه أنه قوي على الأمور لا يدافع عن مراده ، وقوله : * ( أيحسب ) * استفهام على سبيل الإنكار . * ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً ) * . قال أبو عبيدة : لبد ، فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض ، قال الزجاج : فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم ، قال الفراء : واحدته لبدة ولبد جمع وجعله بعضهم واحداً ، ونظيره قسم وحطم وهو في الوجهين جميعاً الكثير ، قال الليث : مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته . وقد ذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله : * ( يكونون عليه لبداً ) * ( الجن : 19 ) والمعنى أن هذا الكافر يقول : أهلكت في عداوة محمد مالاً كثيراً ، والمراد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ، ويدعونه معالي ومفاخر . * ( أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) * . فيه وجهان الأول : قال قتادة : أيظن أن الله لم