فخر الدين الرازي
184
تفسير الرازي
يره ولم يسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه الثاني : قال الكلبي : كان كاذباً لم ينفق شيئاً ، فقال الله تعالى : أيظن أن الله تعالى ما رآى ذلك منه ، فعل أو لم يفعل ، أنفق أو لم ينفق ، بل رآه وعلم منه خلاف ما قال . * ( أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ ) * . واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله : * ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) * ( البلد : 5 ) أقام الدلالة على كمال قدرته فقال تعالى : * ( ألم نجعل له عينين * ولساناً وشفتين * وهديناه النجدين ) * وعجائب هذه الأعضاء مذكورة في كتب التشريح ، قال أهل العربية : النجد الطريق في ارتفاع فكأنه لما وضحت الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح الطريق العالي للأبصار ، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين في النجدين وهو أنهما سبيلا الخير والشر ، وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : إنما هما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، ولا يكون نجد الشر ، أحب إلى أحدكم من نجد الخير " وهذه الآية كالآية في : * ( هل أتى على الإنسان ) * إلى قوله : * ( فجعلناه سمعياً بصيراً * إنا هديناه السبيل ، إما شاكراً وإما كفوراً ) * ( الإنسان : 3 , 1 ) وقال الحسن : قال : * ( أهلكت مالا لبداً ) * فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه ، والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعها ، قال القفال : والتأويل هو الأول ، ثم قرر وجه الاستدلال به ، فقال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلباً عقولاً ولساناً قولاً ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة في الكفر بالله من تظاهر نعمه ، وما العلة في التعزيز على الله وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له ، وهو الممكن من الانتفاع به . * ( فَلاَ اقتَحَمَا الْعَقَبَةَ ) * . ثم إنه سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التي تنفق فيها الأموال ، وعرف هذا الكافر أن إنفاقه كان فاسداً وغير مفيد ، فقال تعالى : * ( فلا اقتحم العقبة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الاقتحام الدخول في الأمر الشديد يقال : قحم يقحم قحوماً ، واقتحم اقتحاماً وتقحم تقحماً إذا ركب القحم ، وهي المهالك والأمور العظام والعقبة طريق في الجبل ، وَعْرٌ ، الجمع العقب والعقاب ، ثم ذكر المفسرون في العقبة ههنا وجهين الأول : أنها في الآخرة وقال عطاء : يريد عقبة جهنم ، وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار ، وقال ابن عمر هي : جبل زلال في جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم ، وهو معنى قول الكلبي : إنها عقبة الجنة