فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

السؤال الرابع لم قال في القسم الأول : * ( إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ) * وفي القسم الثاني : * ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) * فذكر الأول بالفاء والثاني بالواو ؟ والجواب : لأن رحمة الله سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام ، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم وقبله الثاني على ما قال : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ( النحل : 18 ) . السؤال الخامس : لما قال في القسم الأول : * ( فأكرمه فيقول ربي أكرمن ) * يجب أن يقول في القسم الثاني : فأهانه فيقول : * ( ربي أهانن ) * لكنه لم يقل ذلك والجواب : لأنه في قوله : * ( أكرمن ) * صادق وفي قوله : * ( أهانن ) * غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل واعتقاد فاسد ، فكيف يحكي الله سبحانه ذلك عنه . السؤال السادس : ما معنى قوله : فقدر عليه رزقه ؟ الجواب : ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة ، وقرئ فقدر على التخفيف وبالتشديد أي قتر ، وأكرمن وأهانن بسكون النون في الوقف فيمن ترك الياء في الدرج مكتفياً منها بالكسرة . * ( كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ) * . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال : * ( كلا ) * وهو ردع للإنسان عن تلك المقالة ، قال ابن عباس : المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة ، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة ، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل ، وإما على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال : بل لهم فعل هو شر من هذا القول ، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ، فقال : * ( بل لا تكرمون اليتيم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : * ( يكرمون ) * وما بعده بالياء المنقوطة من تحت ، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان ، وكان يراد به الجنس والكثرة ، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه ، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك . المسألة الثانية : قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقه .