فخر الدين الرازي
173
تفسير الرازي
واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها : ترك بره ، وإليه الإشارة بقوله : * ( ولا تحاضون على طعام المسكين ) * والثاني : دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( وتأكلون التراث أكلا لما ) * والثالث : أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله : * ( وتحبون المال حباً جماً ) * أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم ، أما قوله : * ( ولا تحضون على طعام المسكين ) * قال مقاتل : ولا تطعمون مسكيناً ، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى : * ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين ) * ( الحاقة : 34 , 33 ) ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون فحذف تاء تتفاعلون ، والمعنى : * ( يحض بعضكم بعضاً وفي قراءة ابن مسعود : * ( ولا تحاضون ) * بضم التاء من المحاضة . أما قوله : * ( وتأكلون التراث أكلاً لما ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قالوا : أصل التراث وراث ، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت . المسألة الثانية : قال الليث : اللم الجمع الشديد ، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم ، والآكل يلم الثريد فيجعله لقماً ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أي أكلته أجمع ، فمعنى اللم في اللغة الجمع ، وأما التفسير ففيه وجوه أحدها : قال الواحدي والمفسرون : يقولون في قوله : * ( أكلاً لما ) * أي شديداً وهو حل معنى وليس بتفسير ، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتاً للأكل ، والمراد به الفاعل أي آكلاً لامّاً أي جائعاً كأنهم يستوعبونه بالأكل ، قال الزجاج : كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافاً وبداراً ، فقال الله : * ( وتأكلون التراث أكلاً لما ) * أي تراث اليتامى لماً أي تلمون جميعه ، وقال الحسن : أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم ، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم وثانيها : أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال ، وبعضه شبهة وبعضه حرام ، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله وثالثها : قال صاحب " الكشاف " : ويجوز أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذي ظفر بالمال سهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً لماً واسعاً ، جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ، كما يفعله الوراث البطالون . أما قوله تعالى : * ( ويحبون المال حباً جماً ) * فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال : جم الشيء يجم جموماً يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أي يكثر ، والمعنى : ويحبون المال حباً كثيراً شديداً ، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة . قوله تعالى * ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الاَْرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً *