فخر الدين الرازي

171

تفسير الرازي

أعظم الوسائل إلى أعظم السعادات وخامسها : أن كثرة الممارسة سبب لتأكد المحبة ، وتأكد المحبة سبب لتأكد الألم عند الفراق ، فكل من كان وجدانه للدنيا أكثر وأدوم كانت محبته لها أشد ، فكان تألمه بمفارقتها عند الموت أشد ، والذي بالضد فبالضد ، فإذن حصول لذات الدنيا سبب للألم الشديد بعد الموت ، وعدم حصولها سبب للسعادة الشديدة بعد الموت ، فكيف يقال : إن وجدان الدنيا سعادة وفقدانها شقاوة ؟ . واعلم أن هذه الوجوه إنما تصح مع القول بإثبات البعث روحانياً كان أو جسمانياً ، فأما من ينكر البعث من جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة ، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سبباً للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سبباً لبقاء السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضاً لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة ، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : * ( فأما الإنسان ) * المراد منه شخصين معين أو الجنس ؟ الجواب : فيه قولان : الأول : أن المراد منه شخصين معين ، فروي عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة بن المغيرة ، وقال الكلبي : هو أبي بن خلف ، وقال مقاتل : نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني : أن المراد من كان موصوفاً بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء . السؤال الثاني : كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء ؟ الجواب : لأن كل واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه قوله تعالى : * ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) * ( الأنبياء : 35 ) . السؤال الثالث : لما قال : * ( فأكرمه ) * فقد صحح أنه أكرمه . وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى عنه أنه قال : * ( ربي أكرمن ) * ذمه عليه فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب : لأن كلمة الإنكار هي قوله : * ( كلا ) * فلم لا يجوز أن يقال : إنها مختصة بقوله : * ( ربي أهانن ) * سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معاً ولكن فيه وجوه ثلاثة أحدها : أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني : أن نعم الله تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال ، وهي نعمة سلامة البدن والعقل والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة الله ، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد الثالث : أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه منكراً للبعث ، فلا جرم استحق الذم على ما حكى الله تعالى ذلك ، فقال : * ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ، قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً * وما أظن الساعة قائمة ) * إلى قوله : * ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ) * ( الكهف : 37 , 35 ) .