فخر الدين الرازي
168
تفسير الرازي
التخفيف كما قرىء : * ( بورقكم ) * ( الكهف : 19 ) وقرئ : * ( بعاد * إرم ذات العماد ) * بإضافة * ( إرم ) * إلى * ( ذات العماد ) * وقرئ : * ( بعاد إرم ذات العماد ) * بدلاً من فعل ربك ، والتقدير : ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل ذات العماد رميماً ، أما قوله : * ( ذات العماد ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا : * ( إرم ) * اسم القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخبار لا بد فيها من العماد ، والعماد بمعنى العمود . وقد يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل : ذات البناء الرفيع ، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور ، قال تعالى في وصفهم : * ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون ) * ( الشعراء : 128 ) أي علامة وبناء رفيعاً . المسألة الثانية : روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها . فسمع بذكر الجنة فقال : ابني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا ، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن ( أبي ) قلابة فقال : هذا والله هو ذلك الرجل . أما قوله : * ( التي لم يخلق مثلها في البلاد ) * فالضمير في مثلها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : * ( لم يخلق مثلها ) * أي مثل عاد في البلاد في عظم الجثة وشدة القوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني : لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا ، وقرأ ابن الزبير * ( لم يخلق مثلها ) * أي لم يخلق الله مثلها الثالث : أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم يخلق مثل تلك الأساطين في البلاد ، وعلى هذا فالعماد جمع عمد ، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى : * ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) * فقال الليث : الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوباً . وزاد الفراء يجيب جيباً ويقال : جبت البلاد جوباً أي جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس : يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتاً وأحواضاً وما أرادوا من الأبنية ، كما قال : * ( وتنحتون من الجبال بيوتاً ) * ( الأعراف : 74 ) قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام