فخر الدين الرازي

169

تفسير الرازي

ثمود ، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله : * ( بالواد ) * قال مقاتل : بوادي القرى . وأما قوله تعالى : * ( وفرعون ذي الأوتاد ) * فالاستقصاء فيه مذكور في سورة ص ، ونقول : الآن فيه وجوه أحدها : أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها : أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء وقالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته وثالثها : ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر : في ظل ملك راسخ الأوتاد ورابعها : روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن تلك الأوتاد كانت ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين الله تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى : * ( الذين طغوا في البلاد ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب . المسألة الثانية : أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ، ويجوز أن يكون مرفوعاً على ( الإخبار ، أي ) هم الذين طغوا أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون . المسألة الثالثة : * ( طغوا في البلاد ) * أي عملوا المعاصي وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى : * ( فأكثروا فيها الفساد ) * ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال تعالى : * ( فصب عليهم ربك سوط عذاب ) * واعلم أنه يقال : صب عليه السوط وغشاه وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال القاضي : وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : إن عند الله أسواطاً كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن قيل : أليس أن قوله تعالى : * ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها دابة ) * ( النحل : 61 ) يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ قلنا : هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال تعالى : * ( إن ربك لبالمرصاد ) * تقدم عند قوله : * ( كانت مرصاداً ) * ( النبأ : 21 ) ونقول : المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه ، وعن بعض العرب أنه قيل له : أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها :