فخر الدين الرازي
161
تفسير الرازي
يكون العذاب الأكبر حاصلاً في الدنيا ، وذلك بالقتل وسبي الذرية وغنيمة الأموال ، القول الأول أولى وأقرب . ثم قال تعالى : * ( إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) * . وهذا كأنه من صلة قوله : * ( فيعذبه الله العذاب الأكبر ) * ( الغاشية : 24 ) وإنما ذكر تعالى ذلك ليزيل به عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم حزنه على كفرهم ، فقال : طب نفساً عليهم ، وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا فإن مرجعهم إلى الموعد الذي وعدنا ، فإن علينا حسابهم وفيه سؤال : وهو أن محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم وذلك حق الله تعالى ، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه والجواب : أن ذلك واجب عليه إما بحكم الوعد الذي يمتنع وقوع الخلف فيه ، وإما في الحكمة ، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لكان ذلك شبيهاً بكونه تعالى راضياً بذلك الظلم وتعالى الله عنه ، فلهذا السبب كانت المحاسبة واجبة وههنا مسألتان : المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر المدني : * ( إيابهم ) * بالتشديد . قال صاحب " الكشاف " : وجهه أن يكون فيعالا مصدره أيب فيعل من الإياب ، أو يكون أصله أواباً فعالاً من أوب ، ثم قيل : إيواباً كديوان في دون ، ثم فعل به ما فعل بأصل سيد . المسألة الثانية : فائدة تقديم الظرف التشديد بالوعيد ، فإن * ( إيابهم ) * ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه ، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .