فخر الدين الرازي

162

تفسير الرازي

سورة الفجر ثلاثون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ الِّذِى حِجْرٍ ) * . اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لا بد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد ، أو فائدة دنيوية توجب بعثاً على الشكر ، أو مجموعهما ، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافاً شديداً ، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين ، وأكثر منفعة في الدنيا . أما قوله : * ( والفجر ) * فذكروا فيه وجوهاً أحدها : ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف ، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، أقسم الله تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء ، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم ، وفيه عبرة لمن تأمل ، وهذا كقوله : * ( والصبح إذا أسفر ) * ( المدثر : 34 ) وقال في موضع آخر ، * ( والصبح إذا تنفس ) * ( التكوير : 18 ) وتمدح في آية أخرى بكونه خالقاً له ، فقال : * ( فالق الإصباح ) * ( الإنعام : 96 ) ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع ، نظيره : * ( والضحى ) * ( الضحى : 1 ) وقوله : * ( والنهار إذا تجلى ) * ( الليل : 2 ) وثانيها : أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى : * ( إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) * ( الإسراء : 78 ) أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح وثالثها : أنه فجر يوم معين ، وعلى هذا القول ذكروا وجوهاً الأول : أنه فجر يوم النحر ، وذلك لأن أمر المناسك من خصائص ملة إبراهيم ، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتي الإنسان فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه ، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القربان ،