فخر الدين الرازي

146

تفسير الرازي

ولذلك قال تعالى : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) فكأنه تعالى لما قال : * ( فذكر إن نفعت الذكرى ) * بين في هذه الآية أن الذي تنفعه الذكرى من هو ، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنياً على حصول الخشية في القلب ، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها إلا الله سبحانه وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلاً للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير . الثاني : أن يقال : إن الخشية حاصلة للعاملين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر الخلق متوقفون غير معاندين والمعاند فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة العارفون كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين ، ثم إن كثيراً من المعاندين ، إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند في قلبه بينه وبين نفسه فذلك مما لا يكون أو إن كان فهو في غاية الندرة والقلة ، ثم إن الإنسان إذا سمع التخويف بأنه * ( يصلى النار الكبرى ) * ( الأعلى : 12 ) وأنه * ( لا يموت فيها ولا يحيي ) * ( الأعلى : 13 ) انكسر قلبه فلا بد وأن يستمع وينتفع أغلب الخلق في أغلب الأحوال ، وأما ذلك المعرض فنادر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فمن هذا الوجه كان قوله : * ( فذكر إن نفعت الذكرى ) * يوجب تعميم التذكير . المسألة الثالثة : السين في قوله : * ( سيذكر ) * يحتمل أن تكون بمعنى سوف يذكر وسوف من الله واجب كقوله : * ( سنقرؤك فلا تنسى ) * ( الأعلى : 6 ) ويحتمل أن يكون المعنى أن من خشي الله فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر ، والله أعلم . المسألة الرابعة : العلم إنما يسمى تذكراً إذا كان قد حصل العلم أولاً ثم نسيه وهذه الحالة غير حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر ؟ وجوابه : أن لقوة الدلائل وظهورها كأن ذلك العلم كان حاصلاً ، ثم إنه زال بسبب التقليد والعناد . فلهذا أسماه الله تعالى بالتذكر . المسألة الخامسة : قيل : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ، وقيل : نزلت في ابن أم مكتوم . أما قوله تعالى : * ( وَيَتَجَنَّبُهَا الاَْشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ) * . فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون ، وبينا أن القسمين الأولين ، لا بد وأن يكون لهما خوف وخشية ، وصاحب الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها ، فيكون الأشقى هو المعاند الذي لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها ، فلهذا قال تعالى : * ( ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير النار * ( الكبرى ) * وجوهاً أحدها : قال الحسن : الكبرى نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا وثانيها : أن في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة كما أن في الدنيا ذنوباً ومعاصي متفاضلة ، وكما أن الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران وثالثها :