فخر الدين الرازي
147
تفسير الرازي
أن النار الكبرى هي النار السفلى ، وهي تصيب الكفار على ما قال تعالى : * ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) * ( النساء : 145 ) . المسألة الثانية : قالوا : نزلت هذه الآية في الوليد وعتبة وأبي ، وأنت تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما وقد بينا صحة هذا الترتيب بالبرهان العقلي . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر ههنا قسمين أحدهما : الذي يذكر ويخشى والثاني : الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ، لكن وجود الأشقى يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم ؟ وجوابه : أن لفظة الأشقى لا تقتضي وجود الشقي إذ قد يجري مثل هذا اللفظ من غير مشاركة ، كقوله تعالى : * ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * ( الفرقان : 24 ) وقيل : المعنى ، ويتجنبها الشقي الذي يصلى كما في قوله : * ( وهو أهون عليه ) * ( الروم : 27 ) أي هين عليه ، ومثل قول القائل : إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتاً دعائمه أعز وأطول هذا ما قيل لكن التحقيق ما ذكرنا أن الفرق الثلاثة ، العارف والمتوقف والمعاند فالسعيد هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند الذي بينا أنه هو الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها . أما قوله تعالى : * ( ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا ) * . ففيه مسألتان : المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجهان : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه ، كما قال : * ( لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) * ( فاطر : 36 ) وهذا على مذهب العرب تقول للمبتلي بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ميت وثانيهما : معناه أن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه فلا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا . المسألة الثانية : إنما قيل : * ( ثم ) * لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلي فهو متراخ عنه في مراتب الشدة . أما قوله تعالى : * ( قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ) * . ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى لما ذكر وعيد من أعرض عن النظر والتأمل في دلائل الله تعالى ، أتبعه بالوعد لمن تزكى ويطهر من دنس الشرك وثانيهما : وهو قول الزجاج : تكثر من التقوى لأن معنى الزاكي النامي الكثير ، وهذا الوجه معتضد بقوله تعالى : * ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ) * ( المؤمنون : 2 , 1 ) أثبت الفلاح للمستجمعين لتلك الخصال وكذلك قوله تعالى في أول البقرة : * ( وأولئك هم المفلحون ) * ( البقرة : 5 ) وأما الوجه الأول فإنه معتضد بوجهين : الأول : أنه تعالى لما لم يذكر في الآية ما يجب التزكي عنه علمنا أن المراد هو التزكي عما مر ذكره قبل الآية ، وذلك هو الكفر ، فعلمنا أن المراد ههنا : * ( قد