فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
إياه تعبدون ) * ( البقرة : 172 ) ومنها قوله : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) * ( النساء : 101 ) فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : * ( ولم تجدوا كاتباً فرهان ) * ( البقرة : 283 ) والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : * ( فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ) * والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها : أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال : * ( إن نفعت الذكرى ) * وثانيها : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 81 ) والتقدير : * ( فذكر إن نفعت الذكرى ) * أو لم تنفع وثالثها : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق : قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلاناً إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها : أنه عليه السلام دعاهم إلى الله كثيراً ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له : * ( وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) * ( ق : 45 ) إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط . السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلاً بالعواقب ، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك ؟ الجواب : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى : * ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ) * ( طه : 44 ) وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر . السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ والجواب : أن الضابط فيه هو العرف والله أعلم . * ( سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ) * . ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من قطع بصحته ، ومنهم من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات ، ومنهم من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية حاصلة لهما ، وأما القسم الثالث فلا خشية له ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن الآية تحتمل تفسيرين : أحدهما : أن يقال : الذي يخشى هو الذي يكون عارفاً بالله وعارفاً بكمال قدرته وعلمه وحكمته ، وذلك يقتضي كونه قاطعاً بصحة المعاد