فخر الدين الرازي
144
تفسير الرازي
الجهر وما يخفى ) * اعتراض ، والتقدير : سنقرؤك فلا تنسى ، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن وثانيها : قال ابن مسعود : اليسرى الجنة ، والمعنى نيسرك للعمل المؤدى إليها وثالثها : نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ورابعها : نوفقك للشريعة وهي الحنيفية السهلة السمحة ، والوجه الأول أقرب . المسألة الثانية : لسائل أن يسأل فيقول العبارة المعتادة أن يقال : جعل الفعل الفلاني ميسراً لفلان ، ولا يقال : جعل فلان ميسراً للفعل الفلاني فما الفائدة فيه ؟ ههنا الجواب : أن هذه العبارة كما أنها اختيار القرآن في هذا الموضع ، وفي سورة الليل أيضاً ، فكذا هي اختيار الرسول في قوله عليه السلام : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " وفيه لطيفة علمية ، وذلك لأن ذلك الفعل في نفسه ماهية ممكنة قابلة للوجود والعدم على السوية ، فما دام القادر يبقى بالنسبة إلى فعلها وتركها على السوية امتنع صدور الفعل عنه ، فإذا نرجح جانب الفاعلية على جانب التاركية ، فحينئذ يحصل الفعل ، فثبت أن الفعل ما لم يجب لم يوجد ، وذلك الرجحان هو المسمى بالتيسير ، فثبت أن الأمر بالتحقيق هو أن الفاعل يصير ميسراً للفعل ، لا أن الفعل يصير ميسراً للفاعل ، فسبحان من له تحت كل كلمة حكمة خفية وسر عجيب يبهر العقول . المسألة الثالثة : إنما قال : * ( ونيسرك لليسرى ) * بنون التعظيم لتكون عظمة المعطى دالة على عظمة العطاء ، نظيره قوله تعالى : * ( إنا أنزلناه ) * ( يوسف : 2 ) * ( إنا نحن نزلنا الذكر ) * ( الحجر : 9 ) ( إنا أعطيناك الكوثر ) * ( الكوثر : 1 ) دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير والتسهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبياً لا أب له ولا أم له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين ، وهدياً للخلق أجمعين . * ( فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ) * . فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه تاماً وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاماً بمقتضى قوله : * ( ونيسرك لليسرى ) * ( الأعلى : 8 ) أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : * ( فذكر ) * لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضاً للكمال ، فكان تاماً وفوق التمام ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : * ( إن نفعت الذكرى ) * ؟ الجواب : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ) * ( النور : 33 ) ومنها قوله : * ( واشكروا لله إن كنتم