فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
وقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها وثانيها : قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئاً ، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسياً لذلك لقدر عليه ، كما قال : * ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) * ( الإسراء : 86 ) ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * مع أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك البتة ، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل الله وإحسانه لا من قوته وثالثها : أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي قليلاً كان أو كثيراً أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التثبت والتحفظ والتيقظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السلام على التيقظ ، في جميع الأحوال ورابعها : أن يكون الغرض من قوله : * ( إلا ما شاء الله ) * نفي النسيان رأساً ، كما يقول الرجل لصاحبه : أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء ( الله ) ، ولا يقصد استثناء شيء . القول الثاني : أن قوله : * ( إلا ما شاء الله ) * استثناء في الحقيقة ، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوهاً أحدها : قال الزجاج : إلا ما شاء الله أن ينسى ، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك ، فإذاً قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسياناً كلياً دائماً ، روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، فسأله فقال : نسيتها . وثانيها : قال مقاتل : إلا ما شاء الله أن ينسيه ، ويكون المراد من الإنساء ههنا نسخة ، كما قال : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) * فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها ، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به ، فيصير ذلك سبباً لنسيانه ، وزواله عن الصدور . وثالثها : أن يكون معنى قوله : * ( إلا ما شاء الله ) * القلة والندرة ، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن ، فإنه لو نسي شيئاً من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع ، وإنه غير جائز . أما قوله تعالى : * ( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) * ففيه وجهان أحدهما : أن المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان ، فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه والثاني : أن يكون المعنى : فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسخ ، فإنه أعلم بمصالح العبيد ، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ . * ( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ) * . ففيه مسائل : المسألة الأولى : اليسرى هي أعمال الخير التي تؤدي إلى اليسر ، إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه وجوه : أحدها : أن قوله : * ( ونيسرك ) * معطوف على * ( سنقرؤك ) * وقوله : * ( إنه يعلم