فخر الدين الرازي
142
تفسير الرازي
المسألة الأولى : قال الواحدي : * ( سنقرئك ) * أي سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه ، والمعنى نجعلك قارئاً للقرآن تقرؤه فلا تنساه ، قال مجاهد ومقاتل والكلبي : كان عليه السلام إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى ، وكان جبريل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان ، فقال تعالى : * ( سنقرئك فلا تنسى ) * أي سنعلمك هذا القرآن حتى تحفظه ، ونظيره قوله : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه ) * ( طه : 114 ) وقوله : * ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) * ثم ذكروا في كيفية ذلك الاستقراء والتعليم وجوهاً أحدها : أن جبريل عليه السلام سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظاً لا تنساه وثانيها : أنا نشرح صدرك ونقوي خاطرك حتى تحفظ بالمرة الواحدة حفظاً لا تنساه وثالثها : أنه تعالى لما أمره في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه فإنا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ونجمعه في قلبك ، ونيسرك لليسرى وهو العمل به . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين الأول : أنه كان رجلاً أمياً فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزاً الثاني : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل وقد وقع فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً ، أما قوله : * ( فلا تنسى ) * فقال بعضهم : * ( فلا تنسى ) * معناه النهي ، والألف مزيدة للفاصلة ، كقوله : * ( السبيلا ) * ( الأحزاب : 67 ) يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه ، والقول المشهور أن هذا خبر والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان ، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن العرى ، واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات في هذه الآية منها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فلا يصح ورود الأمر والنهي به ، فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التي تنافي النسيان مثل الدراسة وكثرة التذكر . وكل ذلك عدول عن ظاهر اللفظ . ومنها أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضاً خلاف الأصل ومنها أنا إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية بشارة الله إياه بأني أجعلك بحيث لا تنساه ، وإذا جعلناه نهياً كان معناه أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة ، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأول ، ولأنه على خلاف قوله : * ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ) * ( القيامة : 16 ) . أما قوله : * ( إلا ما شاء الله ) * ففيه احتمالان أحدهما : أن يقال : هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئاً ، قال الكلبي : إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئاً ، وعلى هذا التقدير يكون الغرض من قوله : * ( إلا ما شاء الله ) * أحد أمور أحدها : التبرك بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى : * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً * إلا أن يشاء الله ) * ( الكهف : 24 , 23 ) وكأنه تعالى يقول : أنا مع أني عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن