فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
للطاغين مآبا ( 22 ) لابثين فيها أحقابا ( 23 ) ( المسألة الرابعة ) دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوقة لقوله تعالى ( إن جهنم كانت مرصادا ) أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك ، لأنه لا قائل بالفرق . ( وثانيها ) قوله ( للطاغين مآبا ) وفيه جهان : إن قلنا إنه مرصاد للكفار كان قوله ( للطاغين ) من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، ثم قوله ( مآبا ) بدل من قوله ( مرصادا ) وإن قلنا بأنها كانت مرصادا مطلقا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله ( إن جهنم كانت مرصادا ) كلاما تاما ، وقوله ( للطاغين مآبا ) كلام مبتدأ قيل إن جهنم مرصاد للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله ( مآبا ) أي مصيرا ومقرا . ( وثالثها ) قوله ( لابثين فيها أحقابا ) اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين ، بين كمية استقرارهم هناك ، فقال ( لابثين فيها أحقابا ) وههنا مسائل : ( المسألة الأولى ) قرأ الجمهور ( لابثين ) وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل طامع . وطمع ، وقار ، وفره وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف واللبث أقوى لان اللابث من وجد منه الليث ، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ينفك عنه . ( المسألة الثانية ) قال الفراء أصل الحقب من الترادف ، والتتابع يقال أحقب ، إذا أردف ومنه الحقيقة ومنه كل من حمل وزرا ، فقد حتقب ، فيجوز على هذا المعنى ( لابثين فيها أحقابا ) أي دهورا متتابعة يتسع بعضها بعضا ، ويدل عليه قوله تعالى ( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا ) يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب ، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه ( أحدها ) قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله ( أحقابا ) الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعا ( وثانيها ) سأل هلال الهجري عليا عليه السلام . فقال الحقب مائة سنة . والسنة اثنا عشر شهرا ، والشهر ثلاثون يوما ، واليوم ألف سنة ( وثالثها ) قال الحسن الأحقاب لا يدرى أحد ما هي ، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون ( فإن قيل ) قوله ( أحقابا وإن طالت إلا أنها متناهية ، وعذاب أهل النار غير متناه ، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا ، ونظير هذا السؤال قوله