فخر الدين الرازي

14

تفسير الرازي

لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ( 34 ) إلا حميما وغساقا ( 25 ) جزاء وفاقا ( 26 ) في أهل القبلة ( إلا ما شاء ربك ) قلنا ( الجواب ) من وجوه ( الأول ) أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضى حقب له نهاية وإنما الحق الواحد متناه ، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب آخر ، وهكذا إلى الأبد ( الثاني ) قال الزجاج : المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ولا شرابا ، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب ، وهو أن لا يذوقوا بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب ( وثالثها ) هب أن قوله ( ( أحقابا ) يفيد التناهي ، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم ، والمنطوق دل على أنهم لا يخرجون . قال تعالى ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) ولا شك أن المنطوق راجح ، وذكر صاحب الكشاف في الآية وجها آخر ، وهو أن يكون أحقابا من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطاه الرزق ، فهو حقب وجمعه أحقاب ، فينتصب حالا عنهم بمعنى لابثين فيها حقبي مجدبين ، وقوله ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) تفسير له . ( ورابعها ) قوله تعالى ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ، إلا حميما وغساقا ، جزاء وفاقا ) وفيه مسائل : ( المسألة الأولى ) إن اخترنا قول الزجاج كان قوله ( لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ) متصلا بما قبله ، والضمير في قوله ( فيها ) عائد إلى الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ ، والضمير في قوله فيها عائد إلى جهنم . ( المسألة الثانية ) في قوله ( بردا ) وجهان ( الأول ) أنه البرد المعروف ، والمراد أنهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا يسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، والحاصل أنهم لا يجدون هواء باردا ، ولا ماء باردا ( والثاني ) البرد ههنا النوم ، وهو قول الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبى ، قال الفراء : وإنما سمى النوم بردا لأنه يبرد صاحبه ، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم ، وأنشد أبو عبيدة والمبرد في بيان أن المراد من البرد النوم قول الشاعر : بردت مراشفعها على فصدنى . . . عنها وعن رشقاتها البرد يعنى النوم ، قال المبرد : ومن أمثال العرب : منع البرد البرد أي أصابني من البرد ما منعني من النوم ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين ( الأول ) أنه لا يقال ذقت البرد ويقال ذقت النوم ( الثاني ) أنهم يذوقون برد الزمهرير ، فلا يصح أن يقال إنهم ما ذاقوا