فخر الدين الرازي
116
تفسير الرازي
الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر جميعاً لأنها أيام عظام فأقسم الله بها كما أقسم بالليالي العشر والشفع والوتر ، ولعل الآية عامة لكل يوم عظيم من أيام الدنيا ولكل مقام جليل من مقاماتها وليوم القيامة أيضاً لأنه يوم عظيم كما قال : * ( ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * ( المطففين : 6 , 5 ) وقال : * ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) * ( مريم : 37 ) ويدل على صحة هذا التأويل خروج اللفظ في الشاهد والمشهود على النكرة ، فيحتمل أن يكون ذلك على معنى أن القصد لم يقع فيه إلى يوم بعينه فيكون معرفاً أما الوجه الأول : وهو أن يحمل الشاهد على من تثبت الدعوى بقوله ، فقد ذكروا على هذا التقدير وجوهاً كثيرة أحدها : أن الشاهد هو الله تعالى لقوله : * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) * ( آل عمران : 18 ) وقوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) * ( الأنعام : 19 ) وقوله : * ( أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) * ( فصلت : 53 ) والمشهود هو التوحيد ، لقوله : * ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) * أو النبوة : * ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ) * وثانيها : أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، والمشهود عليه سائر الأنبياء ، لقوله تعالى : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) * ( النساء : 41 ) ولقوله تعالى : * ( إنا أرسلناك شاهداً ) * ( الفتح : 8 ) وثالثها : أن يكون الشاهد هو الأنبياء ، والمشهود عليه هو الأمم ، لقوله تعالى : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ) * ، ورابعها : أن يكون الشاهد هو جميع الممكنات والمحدثات ، والمشهود عليه واجب الوجود ، وهذا احتمال ذكرته أنا وأخذته من قول الأصوليين هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وعلى هذا التقدير يكون القسم واقعاً بالخلق والخالق ، والصنع والصانع وخامسها : أن يكون الشاهد هو الملك ، لقوله تعالى : * ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) * والمشهود عليه هم المكلفون وسادسها : أن يكون الشاهد هو الملك ، والمشهود عليه هو الإنسان الذي تشهد عليه جوارحه يوم القيامة ، قال : * ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ) * ( النور : 24 ) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ) * ( فصلت : 21 ) وهذا قول عطاء الخراساني . وأما الوجه الثالث : وهو أقوال مبنية على الروايات لا على الاشتقاق فأحدها : أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، روى أبو موسى الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام قال : " اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، ويوم الجمعة ذخيرة الله لنا " وعن أبي هريرة مرفوعاً قال : " المشهود يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة ، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له ، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه منه " وعن سعيد بن المسيب مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد ، والمشهود يوم عرفة " وهذا قول كثير من أهل العلم كعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأبي هريرة وابن المسيب والحسن البصري والربيع بن أنس ، قال قتادة : شاهد ومشهود ، يومان عظمهما الله من أيام الدنيا ، كما يحدث أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وثانيها : أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر