فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

وذلك لأنهما يومان عظمهما الله وجعلهما من أيام أركان أيام الحج ، فهذان اليومان يشهدان لمن يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة ، وروى أنه عليه السلام ذبح كبشين ، وقال في أحدهما : " هذا عمن يشهد لي بالبلاغ " فيحتمل لهذا المعنى أن يكون يوم النحر شاهداً لمن حضره بمثل ذلك لهذا الخبر وثالثها : أن الشاهد هو عيسى لقوله تعالى حكاية عنه : * ( وكنت عليهم شهيداً ) * ( المائدة : 117 ) ، ورابعها : الشاهد هو الله والمشهود هو يوم القيامة ، قال تعالى : * ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) * ( يس : 52 ) وقوله : * ( ثم ينبئهم بما عملوا ) * ( المجادلة : 7 ) ، وخامسها : أن الشاهد هو الإنسان ، والمشهود هو التوحيد لقوله تعالى : * ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) * ( الأعراف : 172 ) وسادسها : أن الشاهد الإنسان والمشهود هو يوم القيامة ، أما كون الإنسان شاهداً فلقوله تعالى : * ( قالوا بلى شهدنا ) * ( الأعراف : 172 ) وأما كون يوم القيامة مشهوداً فلقوله : * ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) * ( الأعراف : 172 ) فهذه هي الوجوه الملخصة ، والله أعلم بحقائق القرآن . قوله تعالى * ( قُتِلَ أَصْحَابُ الاُْخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) * . اعلم أنه لا بد للقسم من جواب ، واختلفوا فيه على وجوه أحدها : ما ذكره الأخفش وهو أن جواب القسم قوله : * ( قتل أصحاب الأخدود ) * واللام مضمرة فيه ، كما قال : * ( والشمس وضحاها ) * ( الشمس : 1 ) * ( قد أفلح من زكاها ) * ( الشمس : 9 ) يريد . لقد أفلح ، قال : وإن شئت على التقديم كأنه قيل : قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج وثانيها : ما ذكره الزجاج ، وهو أن جواب القسم : * ( إن بطش ربك لشديد ) * ( البروج : 12 ) وهو قول ابن مسعود وقتادة وثالثها : أن جواب القسم قوله : * ( إن الذين فتنوا ) * ( البروج : 10 ) الآية كما تقول : والله إن زيداً لقائم ، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه ، قوله : * ( قتل أصحاب الأخدود ) * إلى قوله : * ( إن الذين فتنوا ) * ( البروج : 10 , 4 ) ورابعها : ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف ، وهذا اختيار صاحب " الكشاف " إلا أن المتقدمين ، قالوا : ذلك المحذوف هو أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال وقال صاحب " الكشاف " : جواب القسم هو الذي يدل عليه قوله : * ( قتل أصحاب الأخدود ) * كأنه قيل : أقسم بهذه الأشياء ، أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ، ويعلموا أن كفار مكة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار ، وأحقاء بأن يقال فيهم : قتلت قريش كما : * ( قتل أصحاب الأخدود ) * أما قوله تعالى : * ( قتل أصحاب الأخدود ) * ففيه مسائل :