فخر الدين الرازي
115
تفسير الرازي
معناه المشهود عليه فحذفت الصلة ، كما في قوله : * ( إن العهد كان مسؤولاً ) * ( الإسراء : 34 ) أي مسؤولاً عنه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إن حملنا الشهود على الحضور احتملت الآية وجوهاً من التأويل أحدها : أن المشهود هو يوم القيامة ، والشاهد هو الجمع الذي يحضرون فيه ، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ، ويدل على صحة هذا الاحتمال وجوه الأول : أنه لا حضور أعظم من ذلك الحضور ، فإن الله تعالى يجمع فيه خلق الأولين والآخرين من الملائكة والأنبياء والجن والإنس ، وصرف اللفظ إلى المسمى الأكمل أولى والثاني : أنه تعالى ذكر اليوم الموعود ، وهو يوم القيامة ، ثم ذكر عقيبة : * ( وشاهد ومشهود ) * وهذا يناسب أن يكون المراد بالشاهد من يحضر في ذلك اليوم من الخلائق ، وبالمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب الثالث : أن الله تعالى وصف يوم القيامة بكونه مشهوداً في قوله : * ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) * ( مريم : 37 ) وقال : * ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) * ( هود : 103 ) وقال : * ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) * ( الإسراء : 52 ) وقال : * ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) * ( يس : 53 ) وطريق تنكيرهما إما ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : * ( علمت نفس ما أحضرت ) * ( التكوير : 14 ) كأنه قيل : وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، وأما الإبهام في الوصف كأنه قيل : وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما ، وإنما حسن القسم بيوم القيامة للتنبيه على القدرة إذ كان هو يوم الفصل والجزاء ويوم تفرد الله تعالى فيه بالملك والحكم ، وهذا الوجه اختيار ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن بن علي وابن المسيب والضحاك والنخعي والثوري وثانيها : أن يفسر المشهود بيوم الجمعة وهو قول ابن عمر وابن الزبير : وذلك لأنه يوم يشهده المسلمون للصلاة ولذكر الله . ومما يدل على كون هذا اليوم مسمى بالمشهود خبران الأول : ما روى أبو الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " والثاني : ما روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " تحضر الملائكة أبواب المسجد فيكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف " وهذه الخاصية غير موجودة إلا في هذا اليوم فيجوز أن يسمى مشهوداً لهذا المعنى ، قال الله تعالى : * ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) * ( الإسراء : 78 ) وروى : " أن ملائكة الليل والنهار يحضرون وقت صلاة الفجر فسميت هذه الصلاة مشهودة لشهادة الملائكة " فكذا يوم الجمعة وثالثها : أن يفسر المشهود بيوم عرفة والشاهد من يحضره من الحاج وحسن القسم به تعظيماً لأمر الحج روي أن الله تعالى يقول للملائكة يوم عرفة : " أنظروا إلى عبادي شعثاً غبراً أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب على رأسه لما يرى من ذلك " والدليل على أن يوم عرفة مسمى بأنه مشهود قوله تعالى : * ( وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ) * ( الحج : 28 , 27 ) ، ورابعها : أن يكون المشهود يوم النحر وذلك لأنه أعظم المشاهد في الدنيا فإنه يجتمع أهل الشرق والغرب في ذلك اليوم بمنى والمزدلفة وهو عيد المسلمين ، ويكون الغرض من القسم به تعظيم أمر الحج وخامسها : حمل الآية على يوم