فخر الدين الرازي

88

تفسير الرازي

الله ، هذا قول جماعة المفسرين ، يقال : حلف فلان يميناً ليس فيها ثنيا ولا ثنوي ، ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء وكله واحد ، وأصل هذا كله من الثنى وهو الكف والرد ، وذلك أن الحالف إذا قال : والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره ، فقد رد انعقاد ذلك اليمين ، واختلفوا في قوله : * ( ولا يستثنون ) * فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا بمشيئة الله تعالى لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة ، وقال آخرون : بل المراد أنهم يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إلى المساكين . ثم قال تعالى * ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) * . * ( طائف من ربك ) * أي عذاب من ربك ، والطائف لا يكون إلا ليلاً أي طرقها طارق من عذاب الله ، قال الكلبي : أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت وهم نائمون فأصبحت الجنة كالصريم . واعلم أن الصريم فعيل ، فيحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، وأن يكون بمعنى الفاعل وههنا احتمالات أحدها : أنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمر وإن حصل الاختلاف في أمور أخر ، فإن الأشجار إذا احترقت فإنها لا تشبه الأشجار التي قطعت ثمارها ، إلا أن هذا الاختلاف وإن حصل من هذا الوجه ، لكن المشابهة في هلاك الثمر حاصلة وثانيها : قال الحسن : أي صرم عنها الخير فليس فيها شيء ، وعلى هذين الوجهين الصريم بمعنى المصروم وثالثها : الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه الصرائم ، وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال ، وهي لا تنبت شيئاً ينتفع به ورابعها : الصبح يسمى صريماً لأنه انصرم من الليل ، والمعنى أن تلك الجنة يبست وذهبت خضرتها ولم يبق فيها شيء ، من قولهم : بيض الإناء إذا فرغه وخامسها : أنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم ، والليل يسمى صريماً وكذا النهار يسمى أيضاً صريماً ، لأن كل واحد منهما ينصرم بالآخر ، وعلى هذا الصريم بمعنى الصارم ، وقال قوم : سمي الليل صريماً ، لأنه يقطع بظلمته عن التصرف وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل ، وقال آخرون : سميت الليلة بالصريم ، لأنها تصرم نور البصر وتقطعه . ثم قال تعالى : * ( فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُواْ عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ) * . قال مقاتل : لما أصبحوا قال بعضهم لبعض : * ( اغدوا على حرثكم ) * ويعني بالحرث الثمار والزروع والأعناب ، ولذلك قال : صارمين لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار . فإن قيل : لم لم