فخر الدين الرازي

89

تفسير الرازي

يقل اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى على ؟ قلنا : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدواً عليه كما تقول : غدا عليهم العدو ، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدي عليهم بالجفنة ويراح ، أي فأقبلوا على حرثكم باكرين . قوله تعالى * ( فاَنطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) * . أي يتسارون فيما بينهم ، وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى كتم ومنه الخفدود للخفاش ، قال ابن عباس : غدوا إليها بصدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين . ثم قال تعالى : * ( أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِّسْكِينٌ ) * . * ( أن ) * مفسرة ، وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول أي يتخافتون يقولون لا يدخلها والنهي للمسكين عن الدخول نهي لهم عن تمكينه منه ، أي لا تمكنوه من الدخول ( حتى يدخل ) ، كقولك لا أرينك ههنا . ثم قال : * ( وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ) * . وفيه أقوال : الأول : الحرد المنع يقال : حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها ، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها فقل اللبن ، والحرد الغضب ، وهما لغتان الحرد والحرد والتحريك أكثر ، وإنما سمي الغضب بالحرد لأنه كالمانع من أن يدخل المغضوب منه في الوجود ، والمعنى وغدوا وكانوا عند أنفسهم وفي ظنهم قادرين على منع المساكين الثاني : قيل : الحرد القصد والسرعة ، يقال : حردت حردك قال الشاعر : أقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة وقطاً حراد أي سراع ، يعني وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم يقولون : نحن نقدر على صرامها ، ومنع منفعتها عن المساكين والثالث : قيل : حرد علم لتلك الجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان . * ( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَضَآلُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * . فيه وجوه أحدها : أنهم لما رأوا جنتهم محترقة ظنوا أنهم قد ضلوا الطريق فقالوا : * ( إنا لضالون ) * ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا : * ( بل نحن محرومون ) * حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنع الفقراء وثانيها : يحتمل