فخر الدين الرازي
274
تفسير الرازي
وجوه أحدها : أنها تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها والمعنى أن الأحياء يسكنون في منازلهم والأموات يدفنون في قبورهم ، ولهذا كانوا يسمون الأرض أما لأنها في ضمها للناس كالأم التي تضم ولدها وتكفله ، ولما كانوا يضمون إليها جعلت كأنها تضمهم وثانيها : أنها كفات الأحياء بمعنى أنها تكفت ما ينفصل الأحياء من الأمور المستقذرة ، فأما أنها تكفت ( الأحياء ) حال كونهم على ظهرها فلا وثالثها : أنها كفات الأحياء بمعنى أنها جامعة لما يحتاج الإنسان إليه في حاجاته من مأكل ومشرب ، لأن كل ذلك يخرج من الأرض والأبنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار مبنية منها ورابعها : أن قوله : * ( أحياء وأمواتاً ) * معناه راجع إلى الأرض ، والحي ما أنبت والميت ما لم ينبت ، بفي في الآية سؤالان : الأول : لم قيل : * ( أحياء وأمواتاً ) * على التنكير وهي كفات الأحياء والأموات جميعاً ؟ الجواب : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون ، وأمواتاً لا يحصرون . السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على وجوب قطع النباش ؟ الجواب : نقل القفال أن ربيعة قال : دلت الآية على أن الأرض كفات الميت فتكون حرزاً له ، والسارق ، من الحرز يجب عليه القطع . النوع الثاني : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( وجعلنا فيها رواسي شامخات ) * فقوله : * ( رواسي ) * أي ثوابت على ظهر الأرض لا تزول و * ( شامخات ) * أي عاليات ، وكل عال فهو شامخ ، ويقال : للمتكبر شامخ بأنفه ، ومنافع خلقة الجبال قد تقدمت في هذا الكتاب . النوع الثالث : من النعم قوله تعالى : * ( وأسقيناكم ماء فراتاً ) * الفرات هو الغاية في العذوبة ، وقد تقدم تفسيره في قوله : * ( هذا عذاب فرات ) * . * ( انطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلَاثِ شُعَبٍ * لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * ) * . اعلم أن هذا هو النوع الخامس : من وجوه تخويف الكفار وهو بيان كيفية عذابهم في الآخرة فأما قوله : * ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) * فالمعنى أنه يقال لهم : * ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) * من العذاب ، والظاهر أن القائلين هم خزنة النار * ( وانطلقوا ) * الثاني تكرير ، وقرأ