فخر الدين الرازي
275
تفسير الرازي
يعقوب * ( انطلقوا ) * على لفظ الماضي ، والمعنى أنهم انقادوا للأمر لأجل أنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعاً منه ، وهذا بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال : فانطلقوا بالفاء ، ليرتبط آخر الكلام بأوله ، قال المفسرون : إن الشمس تقرب يوم القيامة من رؤوس الخلائق ، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان ، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم ، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون : * ( فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ) * ويقال للمكذبين : * ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) * من عذاب الله وعقابه ، وقوله : * ( إلى ظل ) * يعني دخان جهنم كقوله : * ( وظل من يحموم ) * ثم إنه تعالى وصف هذا الظل بصفات : الصفة الأولى : قوله : * ( ذي ثلاث شعب ) * وفيه وجوه أحدها : قال الحسن : ما أدري ما هذا الظل ، ولا سمعت فيه شيئاً وثانيها : قال قوم المراد بقوله : إلى ظل ذي ثلاث شعب كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم ، وتسمية النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم من كل جانب كقوله : * ( لهم من فوقهم ظلل من النار ، ومن تحتهم ظلل ) * وقال تعالى : * ( يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) * وثالثها : قال قتادة : بل المراد الدخان وهو من قوله : * ( أحاط بهم سرادقها ) * وسرادق النار هو الدخان ، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على يمينه وشعبة أخرى على يساره ، وشعبة ثالثة من فوقه . وأقول هذا غير مستبعد لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله ، والقوة الشيطانية في دماغه ، ومنبع جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان في عقائده ، وفي أعماله ، ليس إلا هذه الثلاثة ، فتولدت من هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات ، ويمكن أيضاً أن يقال : ههنا درجات ثلاثة ، وهي الحس والخيال ، والوهم ، وهي مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة ، ولكل واحد من تلك المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة ورابعها : قال قوم : هذا كناية عن كون ذلك الدخان عظيماً ، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة وخامسها : قال أبو مسلم ويحتمل في ثلاث شعب ما ذكره بعد ذلك ، وهو أنه : غير ظليل وأنه لا يغني من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر . الصفة الثانية : لذلك الظل قوله : * ( لا ظليل ) * وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين ، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولا يغني من اللهب ) * يقال : أغن عني وجهك ، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده ، كما أن المحتاج يقاربه ، قال صاحب " الكشاف " : إنه في محل الجر ، أي وغيره مغن عنهم ، من حر اللهب شيئاً ، قال القفال : وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن هذا الظل إنما يكون في جهنم ، فلا يظلهم من حرها ، ولا يسترهم من لهيبها ، وقد ذكر الله في سورة الواقعة الظل فقال : * ( في سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم ) * ( الواقعة : 42 ، 44 ) وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها ، ثم قال : * ( لا بارد ولا كريم ) * فيحتمل أن يكون قوله : * ( لا ظليل ) * في معنى : * ( لا بارد ) * وقوله : * ( ولا يغني من اللهب ) *