فخر الدين الرازي
273
تفسير الرازي
قدر معلوم ) * والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة ، وذلك الوقت معلوم لله تعالى لا لغيره كقوله : * ( إن الله عنده علم الساعة ) * إلى قوله : * ( ويعلم ما في الأرحام ) * ، * ( فقدرنا ) * قرأ نافع وعبد الله بن عامر بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديراً فنعم المقدرون له نحن ، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى : * ( من نطفة خلقه فقدره ) * ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق فحسن ذكره في موضع ذكر المنة والنعمة ، ومن طعن في هذه القراءة قال : لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال : فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين ، قال تعالى : * ( فمهل الكافرين أمهلهم رويداً ) * وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان : الأول : أنه من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا * ( فنعم القادرون ) * حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات والثاني : أنه يقال : قدرت الشيء بالتخفيف على معنى قدرته ، قال : الفراء العرب تقول : قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت ، وقدر عليه رزقه وقدر بالتخفيف والتشديد ، قال تعالى : * ( فقدر عليه رزقه ) * . * ( أَلَمْ نَجْعَلِ الاَْرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْواتاً * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) * . اعلم أن هذا هو النوع الرابع : من تخويف الكفار وذلك لأنه ذكرهم بالنعم التي له عليهم في الأنفس ، وفي هذه الآية ذكرهم بالنعم التي له عليهم في الآفاق ، ثم قال في آخر الآية : * ( ويل يومئذ للمكذبين ) * والسبب فيه ما قدمنا أن النعم كلما كانت أكثر كانت الجناية أقبح فكان استحقاق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً أشد ، وإنما قدم تلك الآية على هذه الآية ، لأن النعم التي في الأنفس كالأصل للنعم التي في الآفاق ، فإنه لولا الحياة والسمع والبصر والأعضاء السليمة لما كان الانتفاع بشيء من المخلوق ممكناً . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا ثلاثة أشياء أولها : الأرض ، وإنما قدمها لأن أقرب الأشياء إلينا من الأمور الخارجية هو الأرض ، ومعنى الكفات في اللغة الضم والجمع يقال : كفت الشيء أي ضممته ، ويقال : جراب كفيت وكفت إذا كان لا يضيع شيئاً مما يجعل فيه ، ويقال للقدر : كفت . قال صاحب الكشاف : هو اسم ما يكفت ، كقولهم الضمام والجماع لما يضم ويجمع ، ويقال : هذا الباب جماع الأبواب ، وتقول : شددت الشيء ثم تسمي الخيط الذي تشد به الشيء شداداً ، وبه انتصب أحياء وأمواتاً كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتاً ، أو بفعل مضمر يدل عليه وهو نكفت ويكون المعنى نكفتكم أحياء وأمواتاً ، فينصبان على الحال من الضمير هذا هو اللغة ، ثم في المعنى