فخر الدين الرازي

265

تفسير الرازي

الكتب يوم الحساب ، وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم ، قال تعالى : * ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ) * وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم وقوله تعالى : * ( فالفارقات فرقاً ) * معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل ، وقوله : * ( فالملقيات ذكراً ) * معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء ، ثم المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة ، كما قال : * ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) * ( النحل : 2 ) ويحتمل أن يكون المراد هو القرآن خاصة ، وهو قوله : * ( أألقي الذكر عليه من بيننا ) * وقوله : * ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ) * وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه السلام وحده ، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم . واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به ، وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه أحدها : شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى ، كما قال تعالى : * ( ويفعلون ما يؤمرون ) * ( النحل : 50 ) * ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) * ( الأنبياء : 27 ) وثانيها : أنهم أقسام : فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء ، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم ؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل ، ومنهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم ، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى ، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض ، ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار ، فهذا مما ينتظمه قوله : * ( والمرسلات عرفاً ) * ثم ما فيها من سرعة السير ، وقطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة ، كقوله : * ( تعرج الملاك والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) * ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران ، ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل ، وإظهار الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل ، وإلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي ، وبالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى ، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية ، فلذلك أقسم الله بهم . القول الثاني : أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح ، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفاً ، أي متتابعة كشعر العرف ، كما قال : * ( يرسل الرياح ) * ( الروم : 46 ) * ( وأرسلنا الرياح ) * ( الحجر : 22 ) ثم إنها تشتد حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو ، كما قال : * ( وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ) * ( النمل : 63 ) وقال : * ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء ) * ( الروم : 48 ) ويجوز أيضاً أن يقال : الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات ، وذلك لأنها تلقح فيبرز النبات بذلك ، على ما قال تعالى : * ( وأرسلنا الرياح لواقح ) * ( الحجر : 22 ) فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة وجوه أحدها : أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض وثانيها : أن الله تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها ، كما قال : * ( وأما عاد فأهلكوا