فخر الدين الرازي

266

تفسير الرازي

بريح صرصر ) * ( الحاقة : 6 ) وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء الله وثالثها : أن عند حدوث الرياح المختلفة ، وترتيب الآثار العجيبة عليها من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله والتضرع على باب رحمته ، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر والموحد والملحد ، وقوله : * ( فالملقيات ذكراً ) * معناه أن العاقل إذا شاهد هبوب الرياح التي تقلع القلاع ، وتهدم الصخور والجبال ، وترفع الأمواج تمسك بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله ، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر والإيمان والعبودية في القلب ، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه . القول الثالث : من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن ، وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن ، فقوله : * ( والمرسلات ) * المراد منها الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وقوله : * ( عرفاً ) * أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة إلى مجامع الخيرات * ( والعاصفات عصفاً ) * فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول ، ثم عظمت وقهرت سائر الملل والأديان ، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان وقهرتها ، وجعلتها باطلة دائرة ، وقوله : * ( والناشرات نشراً ) * المراد أن آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقاً وغرباً ، وقوله : * ( فالفارقات فرقاً ) * فذلك ظاهر ، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين الحق والباطل ، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقاناً ، وقوله : * ( فالملقيات ذكراً ) * فالأمر فيه ظاهر ، لأن القرآن ذكر ، كما قال تعالى : * ( ص والقرآن ذي الذكر ) * ( ص : 1 ) * ( وإنه لذكر لك ولقومك ) * ( الزخرف : 44 ) * ( وهذا ذكر مبارك ) * ، ( الأنبياء : 50 ) وتذكرة كما قال : * ( وإنه لتذكرة للمتقين ) * ( الحاقة : 48 ) وذكرى كما قال : * ( ذكرى للعالمين ) * ( الأنعام : 90 ) فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن ، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه محتمل . القول الرابع : يمكن حملها أيضاً على بعثة الأنبياء عليهم السلام * ( والمرسلات عرفاً ) * هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف ، فإنه لا شك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله ، وهو مفتاح كل خير ومعروف * ( فالعاصفات عصفاً ) * معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر حقيراً ضعيفاً ، ثم يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح * ( والناشرات نشراً ) * المراد منه انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم * ( فالفارقات فرقاً ) * المراد أنهم يفرقون بين الحق والباطل والتوحيد والإلحاد * ( فالملقيات ذكراً ) * المراد أنهم يدعون الخلق إلى ذكر الله ، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه . القول الخامس : أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلاً بمصالح الدنيا مستغرقاً في طلب لذاتها وراحاتها ، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى ، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفاً ، ثم هذه المرسلات لها أثران أحدهما : إزالة حب