فخر الدين الرازي

264

تفسير الرازي

سورة المرسلات وهي خمسون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * والنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فاَلْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة أما الاحتمال الأول : فذكروا فيه وجوهاً الأول : أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله : * ( عرفاً ) * فيه وجوه : أحدها : متتابعة كشعر العرف يقال : جاؤوا عرفاً واحداً وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني : أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة ، فهذا المعنى فيهم ظاهر وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب ، وإن لم يكن معروفاً للكفار ، فإنه معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . والثالث : أن يكون مصدراً كأنه قيل : والمرسلات أرسالاً أي متتابعة وانتصاب عرفاً على الوجه الأول على الحال ، وعلى الثاني لكونه مفعولاً أي أرسلت للإحسان والمعروف وقوله : * ( فالعاصفات عصفاً ) * فيه وجهان الأول : يعني أن الله تعالى لما أرسل أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح . والثاني : أن هؤلاء الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، يقال : ناقة عصوف ، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب بالقوم ، أي ذهبت بهم ، قال الشاعر : في فيلق شهباء ملمومة * تعصف بالمقبل والمدبر وقوله تعالى : * ( والناشرات نشراً ) * معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا الرحمة أو العذاب ، أو المراد الملائكة الذين ينشرون