فخر الدين الرازي

245

تفسير الرازي

بالطعام ولا حياة إلا به ، وقد يتوهم إمكان الحياة مع فقد ما سواه ، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع وجوه المنافع والذي يقوي ذلك أنه يعبر بالأكل عن جميع وجوه المنافع ، فيقال : أكل فلان ماله إذا أتلفه في سائر وجوه الإتلاف ، وقال تعالى : * ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ) * ( النساء : 10 ) وقال : * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * ( البقرة : 188 ) إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون بأموالهم أهل الضعف والحاجة ، وأما قوله تعالى : * ( على حبه ) * ففيه وجهان أحدهما : أن يكون الضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره * ( وآتى المال على حبه ) * ( البقرة : 177 ) * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * ( آل عمران : 92 ) فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ما قال : * ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) * ( الحشر : 9 ) والثاني : قال الفضيل بن عياض على حب الله أي لحبهم لله : واللام قد تقام مقام على ، وكذلك تقام على مقام اللام ، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم ، وهم ثلاثة أحدهم : المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه والثاني : اليتيم وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزاً عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه والثالث : الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوك ( - ه ) رقبته الذي لا يملك لنفسه نصراً ولا حيلة ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى ههنا هم الذين ذكرهم في قوله : * ( فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة ، فك رقبة ، أو إطعام في يوم ذي مسغبة ، يتيماً ذا مقربة ، أو مسكيناً ذا متربة ) * ( البلد : 11 ، 16 ) وقد ذكرنا اختلاف الناس في المسكين قبل هذا ، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال : أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : إنه الأسير من المشركين ، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم ، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق ، ولا يمتنع أيضاً أن يكون المراد هو الأسير كافراً كان أو مسلماً ، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى ، فإن قيل : لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه ؟ قلنا : القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى ، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر ، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب ؟ فنقول : الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين وثانيها : قال السدي : الأسير هو المملوك وثالثها : الأسير هو الغريم قال عليه السلام : " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك " ورابعها : الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ، وروى ذلك مرفوعاً من طريق الخدري أنه عليه السلام قال : * ( مسكيناً ) * فقيراً * ( ويتيماً ) * لا أب له * ( وأسيراً ) * قال المملوك : المسجون وخامسها : الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج ، قال عليه الصلاة والسلام : " اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم أعوان " قال القفال : واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد ، وكان الأسير يفعل به ذلك حبساً له ، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس .