فخر الدين الرازي

246

تفسير الرازي

واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين أحدهما : تحصيل رضا الله . وهو المراد من قوله : * ( إنما نطعمكم لوجه الله ) * والثاني : الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من قوله : * ( إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( إنما نطعمكم لوجه الله ) * إلى قوله : * ( قمطريراً ) * يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا : هذه الأشياء باللسان ، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعاً لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر ، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق ، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيهاً وتنبيهاً على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة وثانيها : أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك وثالثها : أن يكون ذلك بياناً وكشفاً عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئاً . وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم . المسألة الثانية : اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل الله تعالى ، وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلباً لمكافأة أو طلباً لحمد وثناء وتارة يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى ، وأما القسمان الباقيان فمردودان قال تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ) * ( البقرة : 264 ) وقال : * ( وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ) * ( الروم : 39 ) ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى . إذا عرفت هذا فنقول : القوم لما قالوا : * ( إنما نطعمكم لوجه الله ) * بقي فيه احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك ، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله : * ( لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ) * . المسألة الثالثة : الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر ، وهو على وزن الدخول والخروج ، هذا قول جماعة أهل اللغة ، وقال الأخفش : إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول : * ( فأبى الظالمون إلا كفوراً ) * ( الإسراء : 99 ) مثل برد وبرود وإن شئت مصدراً واحداً في معنى جمع مثل قعد قعوداً وخرج خروجاً . المسألة الرابعة : قوله : * ( إنا نخاف من ربنا ) * يحتمل وجهين أحدهما : أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم والثاني : أنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة ، فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط ، ولما حكى عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين بطلب رضاء الله وبالخوف عن القيامة فما السبب فيه ؟ قلنا : الإيفاء بالنذر دخل في حقيقة طلب رضاء الله تعالى ، وذلك لأن النذر هو الذي أوجبه الإنسان على نفسه لأجل الله فلما كان كذلك لا جرم ضم إليه خوف القيامة فقط ، أما الإطعام ، فإنه لا يدخل في حقيقة طلب رضا الله ، فلا جرم ضم إليه طلب رضا الله وطلب الحذر من خوف القيامة .