فخر الدين الرازي
240
تفسير الرازي
* ( إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً * إِنَّ الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ) * . قوله تعالى : * ( إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيداً حاضراً متى احتيج إليه ، كقوله تعالى : * ( هذا ما لدي عتيد ) * ( ق : 23 ) وأما السلاسل فتشد بها أرجلهم ، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم ، وأما السعير فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطباً لها ، وهذا من أغلظ أنواع الترهيب والتخويف . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة ، لأن قوله تعالى : * ( اعتدنا ) * أخبار عن الماضي ، قال القاضي : إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود ، قلنا : هذا الذي ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة . المسألة الثالثة : قرىء سلاسلاً بالتنوين ، وكذلك * ( قواريرا قواريراً ) * ومنهم من يصل بغير تنوين ، ويقف بالألف فلمن نون وصرف وجهان أحدهما : أن الأخفش قال : قد سمعنا من العرب صرف جميع مالا ينصرف ، قال : وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه ، فجرت ألسنتهم على ذلك الثاني : أن هذه الجموع أشبهت الآحاد ، لأنهم قالوا صواحبات يوسف ، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها ، وأما من ترك الصرف فإنه جعله كقوله : * ( لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ) * ( الحج : 40 ) وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله : * ( الظنونا ، والرسولا ، والسبيلا ) * فيشبه ذلك بالإطلاق في القوافي . ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال : * ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً ) * الأبرار جمع بر ، كالأرباب جمع رب ، والقول في حقيقة البر قد تقدم في تفسير قوله تعالى : * ( ولكن البر من آمن بالله ) * ( البقرة : 177 ) ثم ذكر من أنواع نعيمهم صفة مشروبهم ، فقال : * ( يشربون من كأس ) * يعني من إناء فيه الشراب ، ولهذا قال ابن عباس ومقاتل : يريد الخمر ، وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : أن مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً ، فما السبب في ذكره ههنا ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أن الكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته ، فالمعنى أن ذلك الشراب يكون ممزوجاً بماء هذه العين وثانيها : أن رائحة الكافور عرض فلا يكون إلا في جسم ، فإذا خلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب سمي ذلك الجسم كافوراً ، وإن كان طعمه طيباً وثالثها : أي بأس في أن