فخر الدين الرازي

241

تفسير الرازي

يخلق الله تعالى الكافور في الجنة لكن من طعم طيب لذيذ ، ويسلب عنه ما فيه من المضرة ؟ ثم إنه تعالى يمزجه بذلك المشروب ، كما أنه تعالى سلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار . السؤال الثاني : ما فائدة كان في قوله : * ( كان مزاجها كافوراً ) * ؟ الجواب : منهم من قال : إنها زائدة ، والتقدير من كأس مزاجها كافوراً ، وقيل : بل المعنى كان مزاجها في علم الله ، وحكمه كافورا . * ( عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ) * . المسألة الأولى : إن قلنا : الكافور اسم النهر كان عيناً بدلاً منه ، وإن شئت نصبت على المدح ، والتقدير أعني عيناً ، أما إن قلنا : إن الكافور اسم لهذا الشيء المسمى بالكافور كان عيناً بدلاً من محل من كأس على تقدير حذف مضاف ، كأنه قيل : يشربون خمراً خمر عين ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه . المسألة الثانية : قال في الآية الأولى : * ( يشربون من كأس ) * ( الإنسان : 5 ) وقال ههنا : يشرب بها ، فذكر هناك من وههنا الباء ، والفرق أن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته . وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكأن المعنى : يشرب عباد الله بها الخمر ، كما تقول : شربت الماء بالعسل . المسألة الثالثة : قوله : * ( يشرب بها عباد الله ) * عام فيفيد أن كل عباد الله يشربون منها ، والكفار بالاتفاق لا يشربون منها ، فدل على أن لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان ، إذا ثبت هذا فقوله : * ( ولا يرضى لعباده الكفر ) * ( الزمر : 7 ) لا يتناول الكفار بل يكون مختصاً بالمؤمنين ، فيصير تقدير الآية ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، فلا تدل الآية على أنه تعالى لا يريد كفر الكافر . قوله تعالى : * ( يفجرونها تفجيراً ) * معناه يفجرونها حيث شاؤوا من منازلهم تفجيراً سهلا لا يمتنع عليهم واعلم أنه سبحانه لما وصف ثواب الأبرار في الآخرة شرح أعمالهم التي بها استوجبوا ذلك الثواب . * ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) * . فالأول قوله تعالى : * ( يوفون بالنذر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافياً ، أما النذر فقال أبو مسلم : النذر كالوعد ، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر ، وإن كان من الله تعالى فهو وعد ، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقول لله على كذا وكذا من الصدقة ، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول : إن شفى الله مريضي ، أو رد غائبي فعلى كذا كذا ، واختلفوا فيما إذا علق ذلك بما ليس من وجوه البر ، كما إذا قال : إن دخل فلان الدار فعلى كذا ، فمن الناس من جعله كاليمين ، ومنهم من جعله من باب النذر ، إذا عرفت هذا ، فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال : أولها : أن المراد من النذر هو النذر فقط ، ثم قال الأصم : هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات . لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه الله عليه أوفى ، وهذا