فخر الدين الرازي
237
تفسير الرازي
لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج ، وهي إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة ، ولكن هذا الدليل لا يقدح في أن المراد كونها أمشاجاً من الأرض والماء والهواء والحار . أما قوله تعالى : * ( نبتليه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : نبتليه معناه لنبتليه ، وهو كقول الرجل : جئتك أقضي حقك ، أي لأقضي حقك ، وأتيتك أستمنحك ، أي لأستمنحك ، كذا قوله : * ( نبتليه ) * أي لنبتليه ونظيره قوله : * ( ولا تمنن تستكثر ) * ( المدثر : 6 ) أي لتستكثر . المسألة الثانية : نبتليه في موضع الحال ، أي خلقناه مبتلين له ، يعني مريدين ابتلاءه . المسألة الثالثة : في الآية قولان : أحدهما : أن فيه تقديماً وتأخيراً ، والمعنى * ( فجعلناه سميعاً بصيراً ) * لنبتليه والقول الثاني : أنه لا حاجة إلى هذا التغيير ، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث ، بل للابتلاء والامتحان . ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر ، فقال : * ( فجعلنا سميعاً بصيراً ) * والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز ، كما قال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام : * ( لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ) * ( مريم : 42 ) وأيضاً قد يراد بالسميع المطيع ، كقوله سمعاً وطاعة ، وبالبصير العالم يقال : فلان بصير في هذا الأمر ، ومنهم من قال : بل المراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان . والله تعالى خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم الحواس وأشرفها . * ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) * . قوله تعالى : * ( إنا هديناه السبيل ) * أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء ، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف ، وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات ، ينتزع منها عقائد صادقة أولية ، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن الكل أعظم من الجزء ، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية ، فثبت أن الحس مقدم في الوجود على العقل ، ولذلك قيل : من فقد حساً فقد علماً ، ومن قال : المراد من كونه سميعاً بصيراً هو العقل ، قال : إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل بين في هذه الآية ، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي يجب فعله ما هو . والذي لا يجوز ما هو . المسألة الثانية : السبيل هو الذي يسلك من الطريق ، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل