فخر الدين الرازي
238
تفسير الرازي
ههنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك ، ويكون معنى هديناه ، أي عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له ، كقوله تعالى : * ( وهديناه النجدين ) * ( البلد : 10 ) ويكون السبيل اسماً للجنس ، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر ) * ( العصر : 2 ) ويجوز أن يكون المراد بالسبيل ، هو سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق ، فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ) * ( الأحزاب : 67 ) وإنما أضلوهم سبيل الهدى ، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله : * ( هديناه ) * أي أرشدناه ، وإذا أرشد لسبيل الحق ، فقد نبه على تجنب ما سواها ، فكان اللفظ دليلاً على الطريقين من هذا الوجه . المسألة الثالثة : المراد من هداية السبيل خلق الدلائل ، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب ، كأنه تعالى قال : خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه * ( ليهلك من هلك عن بينة ) * ( الأنفال : 42 ) وليس معناه خلقنا الهداية ، ألا ترى أنه ذكر السبيل ، فقال : * ( هديناه السبيل ) * أي أريناه ذلك . المسألة الرابعة : قال الفراء : هديناه السبيل ، وإلى السبيل وللسبيل ، كل ذلك جائز في اللغة . قوله تعالى : * ( إما شاكراً وإما كفوراً ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية أقوال : الأول : أن شاكر أو كفوراً حالان من الهاء ، في هديناه السبيل ، أي هديناه السبيل كونه شاكراً وكفوراً ، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده ، فقد تم حالتي الكفر والإيمان . والقول الثاني : أنه انتصب قوله شاكراً وكفوراً بإضمار كان ، والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً . والقول الثالث : معناه إنا هديناه السبيل ، ليكون إما شاكراً وإما كفوراً أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) * ( هود : 7 ) وقوله : * ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ) * ( العنكبوت : 3 ) وقوله : * ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) * ( محمد : 31 ) قال القفال : ومجاز هذه الكلمة على هذا التأويل قول القائل ، قد نصحت لك إن شئت فأقبل ، وإن شئت فاترك ، أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى : إنا هديناه السبيل فإما شاكراً وإما كفوراً ، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر ، فإنا قد اعتدنا للكافرين كذا وللشاكرين كذا ، كقوله : * ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) * ( الكهف : 29 ) . القول الرابع : أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل ، أي إما سبيلاً شاكراً ، وإما سبيلاً كفوراً ، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز .