فخر الدين الرازي

227

تفسير الرازي

غاية للنظر ، وذلك يوجب الفرق بين النظر والرؤية الرابع : يقال : دور فلان متناظرة ، أي متقابلة ، فمسمى النظر حاصل ههنا ، ومسمى الرؤية غير حاصل الخامس : قوله الشاعر : وجوه ناظرات يوم بدر * إلى الرحمن تنتظر الخلاصا أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة السادس : احتج أبو علي الفارسي على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية ، التي هي إدراك البصر ، بل هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو الجهة التي فيها الشيء الذي يراد رؤيته ، لقول الشاعر : فيا مي هل يجزي بكائي بمثله * مراراً وأنفاسي إليك الزوافر وأنى متى أشرف على الجانب الذي * به أنت من بين الجوانب ناظراً قال : فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه ، لأن المحب لم يطلب الثواب على رؤية المحبوب ، فإن ذلك من أعظم مطالبه ، قال : ويدل على ذلك أيضاً قول الآخر : ونظرة ذي شجن وامق * إذا ما الركائب جاوزن ميلا والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذي فيه المحبوب ، فعلمنا بهذه الوجوه أن النظر المقرون بحرف إلى ليس اسماً للرؤية السابع : أن قوله : * ( إلى ربها ناظرة ) * معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة ولا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله : * ( إلى ربك يومئذ المستقر ) * ( القيامة : 12 ) إلى ربك يومئذ المساق ) * ( القيامة : 30 ) * ( ألا إلى الله تصير الأمور ) * ( الشورى : 53 ) * ( وإليه ترجعون ) * ( البقرة : 8 ) * ( وإلى الله المصير ) * ( آ ل عمران : 28 ) * ( عليه توكلت وإليه أنيب ) * ( الشورى : 10 ) كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد في موقف القيامة ، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين * ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( يونس : 62 ) فلما دلت الآية على أن النظر ليس إلا إلى الله ، ودل العقل على أنهم يرون غير الله ، علمنا أن المراد من النظر إلى الله ليس هو الرؤية الثامن : قال تعالى : * ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) * ( آل عمران : 77 ) ولو قال : لا يراهم كفي ، فلما نفى النظر ، ولم ينف الرؤية دل على المغايرة ، فثبت بهذه الوجوه ، أن النظر المذكور في هذه الآية ليس هو الرؤية . المقام الثاني : في بيان التأويل المفصل ، وهو من وجهين الأول : أن يكون الناظر بمعنى المنتظر ، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله ، وهو كقول القائل ، إنما أنظر إلى فلان في حاجتي والمراد أنتظر نجاحها من جهته ، وقال تعالى : * ( فناظرة بم يرجع المرسلون ) * ( النمل : 35 ) وقال : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) * ( البقرة : 280 ) لا يقال : النظر المقرون بحرف إلى غير مستعمل في معنى الانتظار ، ولأن الانتظار غم وألم ، وهو لا يليق بأهل السعادة يوم القيامة ، لأنا نقول : الجواب : عن الأول من وجهين الأول : النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار ، والتوقع والدليل عليه أنه يقال : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، والمراد منه التوقع والرجاء ، وقال الشاعر : وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتني نعما